صنيع الوليد نفسه, وبهذا تكون قضيَّة الوليد دليلًا للمذهب الثاني, ولعلَّ الوليد قال ذلك تبريرًا لتدليسه وتسويته. والله تعالى أعلم.
ونظير ذلك ما وقع من تفسير حبيش ابن مبشر, وعبد الله بن رومي بن اليمامي, ما نقله يحيى بن معين من تخفُّفِ يحيى القطان- وهو ممَّا اعتُرِضَ به على مذهب العلاّمة المعلِّمي-, حيث قال يحيى بن معين:
"قال يحيى بن سعيد القطّان: كل حديث سمعتُهُ من سفيان قال [1] : حدّثني وحدّثنا, إلّا حديثَينِ: سماك عن عكرمة, ومغيرة عن إبراهيم- ذكر يحيى بن معين الحديثين فنسيتُهُما-, وكلُّ حديث شعبة قال: حدّثني وأخبرني, وكلُّ حديث عبيد الله قال: حدّثني وأخبرني, فإذا حدَّثْتُكَ عن أحدٍ منهم فلا تحتاج أن أقول لك: حدّثني, ولا أخبرني, ولا حدّثنا, ولا أخبرنا. فقال حبيش بن مبشر- يفسِّر ذلك بحضرة ابن معين-: هذا بمنزلة رجل قال: حدثنا يزيد بن هارون, قال: حدّثنا يحيى بن سعيد, فإذا قال بعد ذلك: حدّثنا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد,/ لم يحتاج (كذا) أن يقول: حدثنا يزيد, قال: حدثنا يحيى بن سعيد. وقال عبد الله بن رومي اليمامي بحضرة ابن معين-: هو أن يقول فيه: حدّثنا, قال: حدّثنا, ثمَّ إذا قال: فلان عن فلان, كان كلُّه: حدّثنا" [2] .
فجعلوا في تفسيرهم هذا القول, جعلوا (عن) تلي مَنْ بعد الراوي, وجعل حبيش صيغته: (حدَّثنا) , وجعله عبد الله بن رومي يبتدئُ باسم شيخه بلا صيغة أصلًا, ولم يجعلوا العنعنة لمن حدَّث عن يزيد, والقطَّان لم يقصد أنَّه يبتدئ بالعنعنة فيما بينه وبين شيخه, بل أراد أنَّه يبدل صيغة شيخه التي بينه وبين مَن فوقَه, وهو بيِّنٌ من قول القطَّان نفسه, وزاده حبيش وعبد الله بيانًا, وأقرَّهما ابن معين عليه.
ومنه قول محمد بن عبد الله بن عمَّار لحفص بن غياث:"ما لَكُم حديثُكُم عن الأعمش إنما هو: عن فلان عن فلان, ليس فيه حدثنا, ولا سمعت؟! قال: فقال:"
(1) يعني: (قال سفيان) , فالموضوع صيغة أداء سفيان, لا القطَّان.
(2) معرفة الرجال عن ابن معين (لابن محرز) (2/ 156 - 157) .