بعيد- إلى نسبة العنعنة, والأظهر فيه أنَّه في مسألة عنعنة المُعاصِر, وأنَّ الصيغة في أثناء الإسناد لا في قُبُلِه, وبه عقَّب البيهقي- فيما نقل ابن رجب-, فَحَمَله على من لا يُعرَفُ بالتدليس, وقال ابن رجب إنَّه يمكن حملُه على مَن ثبت لُقيُّه أيضًا, وابن رجب إنَّما ساقه في معرض الكلام في الإسناد المعنعن ومناقشة قول الإمام مسلم, وذاك هو سياقه الصحيح. والله تعالى أعلم.
ومنه قضية جرير بن حازم وحمَّاد بن زيد, فقد نقل أصحاب المذهب الثالث هذه الحادثة من"العلل ومعرفة الرجال"لعبد الله بن الإمام أحمد, وفيه:
"حدَّثَني أبي, قال: سمعتُ عفّانَ يقول: اجتمعَ جريرُ بن حازمٍ وحمّادُ بنُ زيدٍ, فجعلَ جرير بن حازم يقول: سمعتُ محمدًا: سمعتُ شُريحًا. فجعل حمادٌ يقول: يا أبا النضر! عن محمد عن شريح, عن محمد عن شريح" [1] .
وهذه الراوية مُعارَضةٌ بروايةٍ أرجَحَ منها, فإنَّ راوي كتاب"العلل"عن عبد الله هو: أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصوَّاف (ت 359) [2] , وهو وإن كان ثقةً مأمونًا من أهل التحرُّز, غير أنَّه عارضَه من هو أكبر منه قدرًا, وهو العُقَيلي, أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى (ت 322) , ولفظُهُ:
"يا أبا النضر! محمد عن شريح" [3] . فلم يذكر العنعنة في مبتَدَأ الإسناد! ولو ثبتَ لفظُ رواية الصوَّاف, فإنَّهُ لا يَدُلُّ على ما ذهب إليه أصحاب المذهب الثالث, فإنَّ حمَّادًا لم يقل لجرير: (قُل ... ) , ولم يقصد الرواية, وإنَّما نبَّهه على خطأِه في الصيغة بين محمد وشريح, ومن الدليل على ما قلتُ: رواية ابن أبي حاتم= عبد الرحمن بن محمد بن إدريس (ت 327) هذه الواقعة من طريق بهز بن أسد, قال:"كان حمّاد بن زيد عند جرير بن حازم, قال: فجعل جرير يقول: حدثني محمد, قال: سمعت"
(1) العلل ومعرفة الرجال (2/ 536) .
(2) ترجمته في تاريخ مدينة السلام (2/ 115 - 116) .
(3) الضعفاء (1/ 198) .