فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 45

المطلب الأول: تصرُّف الناقل

وأعني بتصرُف الناقلين ما يكون تغييرًا في الصيغة عن ما ورد في الأصل المنقول منه, والناقلون في هذا السياق: (المصنِّفون) , وهم الذين ينقلون الكلمة إلى غير سياقها الذي سيقت فيه في الأصل, بحسب مقصدهم في مصنَّفاتهم, وليس من قصد هذا البحث تحقُّقُ نسبة الخطأ لأيِّ جهة, بل المقصود مقارنة الفرع بالأصل المنقول منه- أو المظنون كون النقل منه-, وتبيُّن الخلل في النقل من جرَّاء التصرُّف, الذي قد يَعُدُّه الناقل غير مؤثِّر فيما هو بصدده, إلاّ إنَّه مؤثِّرٌ في غيره, وممّا يمكن أن يندرج تحت هذه الترجمة ما وقع في"التمهيد" [1] من قول ابن عبد البَر= يوسف بن عبد الله بن عبد البر أبي عمر النمري (ت 463) :

"ورويَ عن ابن معين قال: كان ابن عيينة يدلِّس فيقول: عن الزهريّ, فإذا قيل له: مَن دونَ الزهري؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزهري مَقنع؟! فيقال: بلى, فإذا استُقصِيَ عليه يقول: معمر, اكتبوا لا بارك الله لكم".

ساقه ابن عبد البر هكذا معلَّقًا ممرَّضًا عن ابن معين بلا إسناد, ولا عزوٍ إلى مصدر! ولم أجدْه في مكان آخر, وظاهرٌ أنَّ هذه العبارةَ- إذا صحَّ النقل- دلَّت (بمادّتها) تلاميذَ ابنِ عيينة على أنّ في الإسناد سقطًا؛ لأنّ ابن عيينة يروي عن الزهري (كثيرًا) بلا واسطة, فما الذي جعلهم يقولون له: (عمّن) غير دلالة (عن) ! ويحتمل- إن صحّت اللفظة- أن تكون بمعنى (فيروي) , أو أَنْ تكونَ من باب الرواية من أثناء النسخ التي إسنادها واحد, وأن تكون في أثناء مجلس التحديث عن الزهري لا في ابتدائه, ويكون قد ابتدأ المجلس بالصيغة الصريحة, ثم أجرى بقيَّة الأحاديث على العنعنة, وسيأتي- إن شاء الله- شرحها.

(1) التمهيد لِما في الموَطَّأ من المعاني والأسانيد (1/ 31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت