على رواية حجَّاج, ودليل آخر: أنّه لم يسق بعده متنًا, فسياقه لفائدة واحدة, هي: بيان صيغة رواية أبي الزبير عن جابر من طريق أبي أيوب.
وأمرُ تركيب الصيغة (قال أبو أيوب قال) بتكرار (قال) في أوَّله وآخره, واردٌ في هذا الباب عند المُحَدِّثين في سياق الأسانيد, والمعتمدُ على قال الثانية, فكأنَّ الراويَ عن شيخه يقول عنه: روى عن شيخه أنَّه قال [1] .
وتظهر في قضية صفة رواية الأبناء عن الآباء؛ فإنِّي لم أجد أحدًا من الرواة روى عن أبيه, وكان بينهما العنعنة أنَّه قال: (عن أبي) ! بل وجدتُّها كلّها بلفظ الغَيبة: (عن أبيه) [2] , ويبرز ذلك في النُسخ المشهورة التي يرويها الأبناء عنِ الآباء, كنسخة العلاء بن عبد الرحمن [3] , وعمرو بن شعيب [4] , وبهز بن حكيم [5] , وغيرهم, ولو قال الراوي عنهم: حدثنا عمرو بن شعيب عن أبي, لانصرفت لفظة (أبي) إلى الراوي دون عمرو! والله تعالى أعلم.
ومنه قول أبي داود عقب سياقه حديث:"ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس, عن عمار بن ياسر, أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرَّس بأوَّلات الجيش ومعه عائشة, فانقطع عِقدٌ لها ..."قال أبو داود:
(1) ومنه ما وقع في مسند الطيالسي (115) , وقد لا يذكر الراوي حين يروي بهذه الصفة صيغةً, لا عنعنة ولا غيرها كما في مسند الطيالسي (1303) . وينظر الاستيعاب (4/ 1497) . ومن القرائن: أنَّ الإمام مسلمًا قال في الحديث السابق:"قال وكيع: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وقال ابن نمير: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -", فإنْ كان وكيع قد قال: (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) , أفترى ابن نُمَيرٍ قال: (سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ؟! إنَّما هو حكاية صفة الصيغ الواردة في الإسناد, والتنبيه على اختلافهما. والله تعالى أعلم.
ومن الأدلة على كون العنعنة غير مقصودة: سياق بعض المتن عَقِبَ اسم الراوي الذي وردت (عن) قبله, كما ورد في صحيح مسلم (1678 و 1679) .
(2) السنن الكبرى للنسائي (8850) . وغيره.
(3) صحيح مسلم (57) .
(4) سنن أبي داود (135) .
(5) المرجع السابق (1575) .