ومنه ممَّا أورده أصحاب المذهب الثالث- ويحتمل الدخول في ترجمة المطلب السابق-: قول الإمام مسلم:
"وحدثني أبو أيوب الغيلاني- سليمان بن عبد الله (كذا في طبعة عبد الباقي) [1] -, وحجَّاج بن الشاعر, قالا: حدَّثنا عبد الملك بن عمرو: حدثنا قُرَّة عن أبي الزبير: حدثنا جابر بن عبد الله, قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"مَن لقيَ اللهَ لا يُشرك به شيئًا, دخل الجنَّة, ومَن لقيَه يُشرك به دخل النار". قال أبو أيوب: قال: [2] أبو الزبير عن جابر" [3] .
والعنعنة بين أبي أيوب وأبي الزبير غير مقصودة, إنَّما جيء بها- كما قلت- للتوصُّل إلى حكاية الاختلاف بين الرواة الذين سيقت رواياتهم مساقًا واحدًا, والمقصود: حكاية الصيغةِ (المحتملة) ما بين أبي الزبير وجابر رضي الله عنه في رواية أبي أيوب, في مقابلة الصيغة (المصرِّحة بالتحديث) في رواية حجَّاج بن الشاعر [4] , وأبو الزبير مرميٌّ بالتدليس [5] , ومن حديثه عن جابر ما سمعه منه, ومنه ما حُدِّثَه عنه [6] , فمثل هذا الفرق مؤثِّرٌ في الرواية, والإمام مسلم يهتمُّ بإبراز ما هو أقلُّ منه أهميَّة, فكيف بأمثاله؟! فهو قد ساقهما مساقًا واحدًا, لئلا يقع في سياقه حملُ رواية أبي أيوب
(1) وهو في طبعة المطبعة العامرة (1/ 66) على الصواب (عبيد الله) , وينظر مشارق الأنوار (2/ 116 - 117) وفيه أنَّ (عبد الله) في رواية السمرقندي وحده.
(2) هكذا أُراها في هذا الموضع.
(3) صحيح مسلم (93) .
(4) وقد توبع حجّاج على التصريح بالسماع عن أبي عامر العقدي (عبد الملك بن عمرو) , تابعه بُندار في المسند المستخرج على صحيح مسلم (268) , وتوبع قُرَّة في مصنف عبد الرزاق (19709) :"عمر بن ذر, أنَّ أبا الزبير أخبره, أنَّه سمع جابر بن عبد الله يحدِّث بمثله". يعني بمثل ما قبلَه, وللحديث طرق أُخرى دون التصريح بالتحديث.
(5) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس (ص 151 - 152) .
(6) تهذيب الكمال (26/ 409 - 410) .