قد يكون الراوي ذَكَرَ صيغة حين التحديث إمَّا صريحة في الاتِّصال أو في الانقطاع, أو محتملةً لهذا وهذا, ثمَّ أبدلَها بعضُ الرواة عنه, والغرض حينئذٍ من التعبير بـ (عن) : التخفيف [1] على رواة الحديث وكَتَبَتِه, كما قال الخطيب [2] , حيثُ ذَكَر استجازة كَتَبَةِ الحديث الاقتصار على العنعنة تخَفُّفًا, وعلَّل ذلك بكثرة تكرُّر العبارات الطويلة الدالَّة على صفة التحديث, وما في ذلك من مشقَّة إعادتها ومنه إضجار السامعين, وكذلك ما فيه من الإضرار بالمُقلِّين, ثمَّ ساق قول الوليد بن مسلم الدِّمَشقي (ت 195) :"كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول: ثنا يحيى: ثنا فلان, قال: ثنا فلان, حتى ينتهي. قال الوليد: فربما حدثْنا [3] كما حدثني, وربما قلتُ: عن عن عن, وتخفَّفنا [4] من الأخبار" [5] .
وقضيّة التخفُّف هنا متعلِّقة بما بعد المرويِّ عنه (الأوزاعي) , بدليل قول الوليد نفسه, وأنّه ابتدأ الصيغ بما بعد الأوزاعي (حدثني يحيى) , ولم يتعرّض الوليدُ لِما بينهما, وعدم إدراك الوليد لشيوخ الأوزاعي ظاهر, والسامع- وقد حضر أوَّل مجلس التحديث- مدرك أنَّ الوليد إنَّما يروي هذه الأسانيد عن الأوزاعي عمَّن عنعن عنه الوليد, وأمرٌ آخر: وهو أنّ هذا النصّ قاضٍ بكون العنعنة ليست ممن تليه, فإنَّ الوليد اعترف بكون العنعنة الواردة في إسناد الأوزاعي عن شيوخه- بل ومَن فوقَهم- من
(1) قد يكون الإبدال لأغراضٍ أُخرى:
1 -بقصد (التخلُّص) وليس التخفف, كفعل الإمام أحمد برواية أسباط. أسئلة البرذعي (ص 768) .
2 -بقصد (التزيين) , كفعل سنيد (الحسين بن داود) مع الحجاج بن محمد المصيصي, في روايته جامع ابن جريج. العلل ومعرفة الرجال (2/ 551) ونص على التخفُّف العلّامة المعلِّمي في التنكيل (1/ 228) .
3 -وقد يكون بقصد التسوية, كفعل مدلِّسيها, ولعلَّها غايةُ الوليد بن مسلم من تخفُّفه!
(2) ينظر الاتصال والانقطاع (ص 19) .
(3) اختلف المحقِّقون في إثباتها (حدثت أو حدثنا) وقد استظهرتُ ها الذي أثبتُّه. والله تعالى أعلم.
(4) المعرفة والتاريخ (2/ 268) , والكفاية (ص 390) , وتهذيب الكمال (31/ 96) . وقد وقع فيها كلِّها تصحيف.
(5) الكفاية (ص 390) من طريق يعقوب بن سفيان الفسوي, والنص في المعرفة والتاريخ (2/ 464) نشرة د. أكرم ضياء العمري, و (2/ 268) نشرة خليل منصور, وفيهما- معًا- سقم.