وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة. قال ابن كثير:"وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي يضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلون على ما فيها من أحاديث الرخص، أو أن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه، أو نحو ذلك، وقد جاء أن عمر أذن له بعد ذلك في الحديث" [1] .
وقد اتهم الشيخ رشيد رضا كعبًا ووهبًا بالكذب، فقال في أول تفسير المنار عنهما:"إن قدماء رجال الجرح والتعديل اغتروا بهما وعدلوهما"، ثم ذكر أنه تبين له"كذب كعب ووهب وعزوهما إلى التوراة وغيرها من كتب الرسل ما ليس فيها شيء منه ولا حومت حوله؟!" [2] .
ولعل مستند ذلك ما رواه البخاري عن حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية، يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: «إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب» [3] .
إلا أن هذا لم يحمله العلماء على الكذب الجارح، بل قال ابن حجر:"أي يقع بعض ما يخبرنا عنه بخلاف ما يخبرنا به ... والمراد بالمحدثين أنداد كعب ممن كان من أهل الكتاب وأسلم فكان يحدث عنهم وكذا من نظر في كتبهم فحدث عما فيها قال ولعلهم كانوا مثل كعب إلا أن كعبا كان أشد منهم بصيرة وأعرف بما يتوقاه [4] ."
وقال ابن كثير:"وهذا الذي أنكره معاوية، رضي الله عنه، على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في الإنكار؛ فإن معاوية كان يقول عن كعب:"إن كنا لنبلو عليه الكذب"يعني: فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحيفته، ولكن الشأن في صحيفته، أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف"
(1) البداية والنهاية ط هجر (11/ 371) .
(2) تفسير المنار (1/ 10) .
(3) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء؛ (9/ 110 ـ ح 7361) .
(4) فتح الباري لابن حجر (13/ 334) .