الصفحة 16 من 22

بعثت إلى الأحمر والأسود، إذ يفيدان يعني: الآية والحديث اختصاص كل من الرسل بشريعة، لكن قد صح مضمون الآية والحديث، فلا يكون شرع من قبلنا شرعا لنا.

ـ ولو كان شرعا لنا، لبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته تعلم كتبهم، أي: كتب من قبلنا من أهل الكتاب، والبحث عنها، ولو كان شرعهم شرعا لنا لما توقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظهار، واللعان، والمواريث ونحوها من الأحكام على الوحي؛ ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - رأى يوما بيد عمر رضي الله عنه قطعة من التوراة، فغضب، وقال: ما هذا؟ أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي، ولو كان شرعهم شرعا لنا، لما غضب من ذلك كما لا يغضب من النظر في القرآن.

وقد نوقش الاستدلال بقوله: {لكل جعلنا منكم شرعة} ، ولا قوله - صلى الله عليه وسلم: بعثت إلى الأحمر والأسود"بأن اشتراك الشريعتين في بعض الأحكام لا ينفي اختصاص كل نبي بشريعة اعتبارا بالأكثر، وهو ما اختلفوا فيه، أي: إن الشريعتين إذا اشتركتا في بعض الأحكام، واختلفتا في بعضها، صح أن يكون شرع إحدى الشريعتين شرعا لمن بعدها باعتبار البعض المتفق عليه، ونوقش الاستدلال بباقي الوجوه بأن كتب من قبله حرفت، فلم تنقل إليه موثوقا بها، فلذلك لم يطلب أحكام الوقائع العارضة له فيها، ولذلك غضب من نظر عمر - رضي الله عنه - في قطعة من التوراة، وإذا تعبد الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بشرع من قبله وبمقتضى كتبهم، لم يكن في ذلك غض من منصبه، ولا جعله تبعا لغيره؛ لأنه في ذلك مطيع لله عز وجل، لا لمن قبله من الرسل [1] ."

فإذا قلنا إنه شرع لنا [2] حسن الاستدلال بالرواية الإسرائيلية في الفقه، وإلا لم يحسن أن يكون لها أثرًا فقهيًا.

المسألة الثانية: حجية الرواية الإسرائيلية مما لا يعلم كونه شرعًا لمن قبلنا.

(1) انظر خلاصة ذلك في: شرح مختصر الروضة (3/ 169 ـ 178) ؛ العدة 3/ 756، 761، الروضة ص 162، المسودة ص 193، مختصر البعلي ص 161، الإحكام للآمدي 4/ 140 وما بعدها، المستصفى 1/ 251 وما بعدها، العضد على ابن الحاجب 2/ 287، المحصول 1/ 3/401 وما بعدها، تخريج الفروع على الأصول ص 369، كشف الأسرار 3/ 214، أصول البزدوي ص 234، إرشاد الفحول ص 240؛ مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (4/ 414) .

(2) وهذا أرجح أدلة في الجملة، ورجحه جماعة من المحققين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت