المطلب الأول: الاتجاه التجديدي عند القدامى.
مع تطور علم التفسير، بدأت الإسرائيليات الدب إلى كتب المفسرين، لأن العرب استهوتهم هذه القصص في الجملة، فكثرت عند القصاص؛ وأما أهل العلم فقد كانوا يذكرون الأسانيد في التفسير، فبرئت عهدتهم، فلما جاءت مرحلة حذف الأسانيد من علم التفسير، فاختلطت الإسرائيليات بغيرها، مما حدا بالعلماء المحققين التريث في روايتها في التفسير، وكان هذا هو الاتجاه التجديدي الصحيح في التفسير.
وحمل لواء هذا التجديد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومن تتلمذ عليه أو على آرائه وأفكاره، ومنهم مفسر المتأخرين ابن كثير حيث قال:"ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله، مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه. وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما صح نقله أو حسن" [1] .
وفي تفسير قوله تعالى: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [سورة الأنبياء، آية 51] قال ابن كثير: وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب، وهو رضيع، وأنه خرج به بعد أيام، فنظر إلى الكوكب والمخلوقات، فتبصر فيها وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم -فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وفقا، وما كان من هذا الضرب منها فقد ترخص كثير من السلف في روايتها، وكثير من ذلك ما لا فائدة فيه، ولا حاصل له مما ينتفع به في الدين. ولو كانت فيه فائدة تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة. والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية، لما فيها من تضييع الزمان،
(1) البداية والنهاية ط هجر (1/ 7) .