ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة [1] .
وفي تفسير قوله تعالى: {كان من الجن} [الكهف، آية 50] ، قال ابن كثير: وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها. ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة الأتقياء والأبرار والنجباء من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد، الذين دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه، من ضعيفه، من منكره وموضوعه، ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي، خاتم الرسل، وسيد البشر عليه أفضل التحيات والصلوات والتسليمات، أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل [2] .
وبهذا يعد هذا التفسير العظيم: تفسير ابن كثير من أفضل ما صنف في التفسير مطلقًا، لوجوه كثيرة، وهذا الوجه منها، وهو الوجه التجديدي لتناول الإسرائيليات كمادة تفسيرية، والله تعالى أعلم.
لم تلق الإسرائيليات رواجًا عند المفسرين المعاصرين، فكانت لهم ردة فعل مقابلة للتساهل الذي حدث من بعض المتقدمين، فقاموا بعيب من رواها أو أوردها، بل والنيل ممن سكت عنها.
فهذا الأستاذ الإمام محمد عبده يقول عند تفسيره لقوله تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خطَايَاكُمْ} الآية، فقد ذكر الأستاذ الإمام بعض أقوال المفسرين، ثم قال:
(1) تفسير ابن كثير ت سلامة (5/ 347) .
(2) تفسير ابن كثير ت سلامة (5/ 168) .