فكثير من الروايات الإسرائيلية ليست مما يجزم أنها من شرع من قبلنا، بل هي مما ينسب إلى بني إسرائيل وحسب.
ومما تقرر عند العلماء أن الاحتجاج على الأحكام إنما يكون بالأدلة من الكتاب والسنة، والأدلة الكاشفة من الإجماع، والقياس، بل غاية الرواية الإسرائيلية أن تكون من"شرع من قبلنا"، وقد سبق التنازع فيه؛ فكيف بما ليس شرعًا لمن قبلنا؟.
وهذا ما أحاول تطبيقه في البحث التالي.
ويراد بذلك أن الأخذ بالرواية الإسرائيلية، ليس معناه الاستدلال المباشر بها على الأحكام، بل المراد أن تعين الرواية الإسرائيلية على فهم النص، ومن ثم يحسن الاستدلال بهذا الفهم على الحكم الفقهي، ومن أمثلة ما ظهر لي في ذلك:
في قوله تعالى بسورة يوسف: {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) } .
ففي تفسير هذه الآيات الكريمات روى ابن جرير آثارًا إسرائيلية، منها عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أَيْ سُلِّمَ بِهِ، {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} : «أَيْ كَذَلِكَ نَصْنَعُ بِمَنْ سَرَقَ مِنَّا» . وروى عن مَعْمَرٍ، قَالَ:"بَلَغَنَا فِي قَوْلِهِ: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} : أَخْبَرُوا يُوسُفَ بِمَا يُحْكَمُ فِي بِلَادِهِمْ أَنَّهُ مَنْ سَرَقَ أُخِذَ عَبْدًا، فَقَالُوا: {جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} "، ثم روى عَنِ السُّدِّيِّ: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ، قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} «تَأْخُذُونَهُ فَهُوَ لَكُمْ» [1] .
فيمكن من ذلك استنباط بعض الأحكام الشرعية، ومنها:
ـ عدم جواز السرقة من بلاد الكفار ممن دخل إليهم بعقد أمان، فإن إخوة يوسف قالوا له: {وتصدق علينا} ، قال العلماء: هو من المعاريض التي هي مندوحة عن الكذب، وذلك أنهم كانوا يعتقدونه ملكا كافرا على غير دينهم، ولو قالوا: إن الله
(1) تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (13/ 257) .