ويرى جمهور الفقهاء (45) أن هذه الديون تُنقص الزكاة أو تمنعها بقدرها، للأسباب الآتية:
(أ) عدم تمام ملكية المدين وتسلط الدائن (وهو هنا مصلحة الضرائب، والمدعى في التعويضات القضائية، والمستحقون لمكافآت ترك الخدمة) .
(ب) أن مستحقى هذه الديون تلزمهم زكاتها ـ بعد توافر الشروط الأخرى ـ ولو وجبت على المدين الزكاة لكان ذلك ثنية في الزكاة (46) .
(ج) أن المدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير أو أشد، وليس من الحكمة تعطيل حاجة المالك لدفع حاجة
غيره (47) .
(د) أن الزكاة لا تُشرع إلا عن ظهر غنى، ولا غنى عند المدين وهو محتاج إلى قضاء الدين (48) .
وقد عبر الفقهاء عن ذلك بشرط الفراغ من الدين (49) ، كما فرقت الندوة الثانية لقضايا الزكاة المعاصرة (50) بين القسط الحال من هذه الديون وبين القسط المؤجل السداد منها، حيث سمحت بحسم الأول من وعاء الزكاة ولم تسمح بحسم الثانى.
وفى ضوء ما سبق، يرى الباحث ضرورة التفرقة بين مبالغ مخصصات الالتزامات المؤكدة الحدوث الحالة السداد (كما هو الحال بالنسبة للمبالغ التى يتم احتجازها من الايرادات لمواجهة سداد ضرائب الفترة المالية الحالية خلال الفترة التالية، وكذا التعويضات التى يتوقع صدور حكم نهائى فيها على المنشأة خلال الفترة التالية أيضا) . وبين مخصصات الالتزامات المؤكدة الحدوث المؤجلة السداد (كما هو الحال بالنسبة للمبالغ التى يتم احتجازها لمواجهة سداد ضرائب الفترة المالية الحالية ولكن بعد فترة تصل الى أكثر من سنة، وهو ما جرى العمل عليه في الكثير من المنشآت نظرا لطول اجراءات الربط الضريبى، وكذا التعويضات التى صدر فيها حكم ابتدائى ويتوقع عدم صدور الحكم النهائى خلال الفترة التالية) ، مع السماح بحسم مخصصات الالتزامات المؤكدة الحدوث الحالة من الموجودات الزكوية، وعدم السماح بحسم مخصصات الالتزامات المؤكدة الحدوث المؤجلة السداد، باعتبار أن ذمة المنشأة غير مشغولة بها.
وفى جميع الأحوال إذا تضمنت مخصصات الالتزامات المؤكدة مبالغ لمقابلة فوائد تأخير فلا يُسمح بحسم تلك الفوائد لإنها لا تُعتبر دينًا واجب السداد شرعًا (51) .
لما كانت مبالغ المخصصات لا تخرج عن كونها مبالغ تقديرية ـ كما سبقت الإشارة ـ فإن الحاجة إلى المخصص قد تنتهى على الرغم من وجود رصيد دفترى له، وهو ما يعنى أن مبلغ المخصص الذى تم تكوينه كان زائدًا عن الحاجة.
ومن الناحية المحاسبية، إذا تبين في سنة ما أن مبلغ المخصص زائد عن الحاجة أو انتفت الحاجة إليه، فإن هذه الزيادة تُرد إلى حساب الأرباح والخسائر في بند مستقل، وقد يتم تحويلها إلى أحد حسابات الاحتياطيات الإيرادية الحرة (52) ، وهو ما يُفضله الباحث حتى لا تتأثر أرباح العام بهذه الزيادة التى تخص سنوات سابقة، كما أنه من المعروف ـ محاسبيًا ـ أن الزيادة في المخصصات تُعد احتياطيًا.
ومن الناحية الزكوية، فإن هذه الزيادة سواء تم ردها إلى حساب الأرباح والخسائر أو تحويلها إلى الاحتياطيات لا يُلتفت إليها، وذلك باعتبار أن الربح والاحتياطى من العناصر التى لا تدخل في وعاء الزكاة أو تُحسم منه في طريقة صافى رأس المال العامل. وقد أيد ذلك دليل إرشادات محاسبة زكاة الشركات (53) .