قال أبو السعود عند قوله تعالى: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} ؛ (فإن كمال عداوتهم للمؤمنين من موجبات التعرض لهم بسوء) [التفسير: 2/ 226] .
ولابد لهذا الصراع أن يظهر في مفردات تعبر عن وجوده، فيقع الجدال بين الفريقين، {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121] ، ويقع الخصام؛ {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل: 45] ، ويقع القتال؛ {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم} [البقرة: 217] ، يقع كل هذا ويستمر مادام هناك حق قائم وباطل موجود، وتلك سنة الله القدرية، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62] ، ولله الحكمة البالغة؛ {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] .
ولكي تكتمل صورة الأسباب الحقيقية للصراع الموجود بين الطرفين لابد من استحضار طبيعة العلاقة بين الحق والباطل، فالحق لابد أن يتحرك لإثبات ذاته، فهو الذي يعلو، ولا يكون ذلك إلاّ بزوال الباطل، فهما شيئان متناقضان لا يوجد أحدهما إلاّ بانتفاء الآخر، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِل} [الإسراء: 81] ، فمجيء الحق إزهاق لروح الباطل واجتثات لأركان وجوده، ولن يكون إلاّ بتوجيه القذائف المركزة التي تستهدفه في الصميم، {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18] ، وتلك - ولا شك - ليست أجواء للصراع فحسب، وإنما هي أجواؤه حين يكون على أشده، وهي بالذات طبيعة العلاقة بين المؤمنين والكافرين، {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد: 3] .
بل لو أراد الحق أن يملك - فقط - حقه في الوجود، دون السعي إلى اجتثات الباطل والهجوم عليه في عقر داره لما تُرك وشأنه، فإن الباطل يحرجه أن يكون الحق بجانبه، لأن أمره حينئذ سينكشف، وسحره سيبطل، فهذا نبي الله شعيب عليه السلام يقول لقومه: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا} [الأعراف: 87] ، يا قوم، أنتم وشأنَكم، ونحن وشأننا، اتركونا وحالنا، ونحن نترككم وحالكم حتى يقع أمر قدري يفصل بيننا، فهل تركوه؟ لقد قال الملأ: لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي