الصفحة 18 من 47

أولًا: أصناف المؤمنين:

يظهر من خلال الأية أن المؤمنين على صنفين اثنين:

الصنف الأول: المختارون الشهداء:

الشهداء قوم من المؤمنين، يصطفيهم الله من بين المجاهدين ليتخذهم شهداء، بكل المعاني العميقة التي يحملها مفهوم الشهادة، قال تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} [الأحزاب:23] ، أي استشهد من أجل الحق الذي يحمله. وقد جاءت هذه الآية مباشرة بعد ثنائه عليهم بأنهم {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا} ، وهي إشارة واضحة إلى أن الشهادة تحمل في طياتها تعبيرا عن نوع الارتباط بالإيمان، وأنها فيصل بين الصادق منه والكاذب، فالشهداء لم يرتبطوا بالإيمان من خلال ضجيج الكلمة التي لا حظ لها من العمل، ولا من خلال شكليات المظهر التي تكون على حساب الجوهر، ولكنهم ارتبطوا به من خلال العمل المنسجم مع الحقيقة التي تحملها دلالة اللفظ.

ولذلك لم تكن الشهادة لتوقف دور المجاهد في صراع الإيمان مع الكفر، بل ولم تأت لتحد منه، خاصة إذا أحسنا نحن استثمارها، وإنما تأتي لتنقل المجاهد إلى صيغة أخرى من العمل، وإلى نوع جديد من الأداء، ربما يكون تأثيره أكثر فعالية من أدائه القديم. أو بعبارة أخرى؛ إن الشهيد مجاهد قد انتهى دوره الذي كان يؤديه من خلال الجسد، وبدأ دوره من خلال الروح التي سوف تؤثر في حركة الحياة بقدر عظمة المعاني التي فاضت من أجلها.

باستشهاد الأستاذ سيد قطب انتشرت كلمة الحق وعمت الأرجاء، فكان استشهاده دعوة، وباستشهاد الإمام عبد الله عزام ازدادت شعلة الجهاد توقدا، فكان استشهاده فتحا، وباستشهاد القائد خطاب استخلصت العبر وارتفع معدل التحقيقات العسكرية، فكان استشهاده نصرا. واليوم يستشهد القائد صلاح شحادة، ونحن على يقين أنه باستشهاده سوف يفتح للجهاد في فلسطين آفاقا جديدة، تنقله نقلات بعيدة وتدفع به - إن شاء الله - إلى مواقع أكثر تقدما مما هو عليه. ولو لم يكن من آثار هذا الشهيد إلاّ إعادة النظر في الموقف من العملاء لكان كافيا للدلالة على تأثير الشهداء في المسار الحركي للجماعة المسلمة.

وهكذا هم الشهداء دائما .. لا يموتون وإنما ينتقلون إلى العالم الآخر ليواصلوا من هناك أداء دورهم في الصراع ولكن بطريقة مغايرة، قد لا يفهمها كثير من الناس، خاصة أصحاب الفكر الضيق والحس المتبلد، ولكنها حتما موجودة ومؤثرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت