مقالات؛ تحت ظلال السيوف ...
بقلم؛ سيف الدين الأنصاري
كنا قد تحدثنا عن سنة التمييز، وقلنا إنها عبارة عن عملية فرز داخلي تستهدف التفريق بين المؤمنين والمنافقين، منعًا لاستمرار حالة الاختلاط التي تشكل أخطر العوامل للتهديد الجبهة الداخلية للجماعة المسلمة، قال تعالى: {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 79] ، وقلنا كذلك إن الأداة الأساسية لتحقُق هذا التمييز هي الابتلاء، لأنه الحدث الذي يستخرج المواقف المعبرة عن الحقيقة، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِين وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} [آل عمران: 166] .
لكن المشكلة هي أن ينظر البعض إلى تلك المواقف - التي يسفر عنها الابتلاء - على أنها لا تعدو أن تكون حالات ضعف لا تستدعي هذا النوع من التصنيف، أو على أنها وجهات نظر لها ما يبررها، أو على أنها من باب الاختلاف الذي لا يفسد للدين قضية!! وهكذا .. مما يؤدي في النهاية إلى نوع من الالتباس والغموض يستحيل معه أن يتحقق التمييز رغم كل ما يقع من المنافقين، لأن التمييز هو محصلة أمرين اثنين: أولهما ظهور مواقف النفاق وصفات المنافقين على أصحابها، وثانيهما: علم المؤمنين بأن هذه المواقف وهذه الصفات هي من علامات المنافقين، ولذلك قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} [محمد: 29] .
قال ابن كثير: (أي أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين، بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر) [التفسير: 4/ 81] .
ومن هنا كانت المعرفة بعلامات المنافقين ضرورية، لأنها الأساس الثاني لتحقق التمييز، قال تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُم} [محمد: 30] .
قال الطبري: (فلتعرفنهم بعلامات النفاق الظاهرة منهم في فحوى كلامهم وظاهر أفعالهم) [التفسير: 26/ 60] .
ولعل هذا هو الفارق بين هذا الجيل والجيل الأول، فإن النبي عليه الصلاة والسلام - نفسَه - لم يكن قد عُين له كل المنافقين بأشخاصهم، وإنما كما قال ابن كثير: (كان تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم) [التفسير: 1/ 50] .
وقد بلغ من اهتمام القرآن بالمنافقين إلى الحد الذي نزلت سورة كاملة بأسمائهم"المنافقون"، فكما أن هناك سورة"المؤمنون"وسورة"الكافرون"؛ هناك سورة"المنافقون"، بل إن الحديث عن النفاق في القرآن الكريم حديث ذو شجون، وقد أطال فيه بما من شأنه أن يوحي بخطور هذا النوع من الأعداء وضخامة الدور الذي يقومون به في التأثير على الجماعة المسلمة من الداخل.