أولًا: أصناف المنافقين:
أشار القرآن إلى صنفين من النفاق، وضرب المثل لكل واحد من الصنفين لتتحدد الصورة ويسهل كشف هذه العناصر وتفهم أنماط سلوكها.
الصنف الأول: النفاق الدائم، وهو النفاق الذي لا يتخلله إيمان قط، فحقيقة هذا الصنف من المنافقين أنهم كفار مستترون بالإسلام، قال تعالى: {أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} [الأحزاب: 19] ، وقد ضرب الله لهم مثلا فقال: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُون} [البقرة: 17] . وقد يدخل هؤلاء إلى الصف الإسلامي إما رغبة في مصالح مادية أو معنوية يحصلونها بهذا الإنتساب، فيجعلون الإسلام ستارا لتحقيق الغرض، وإما رهبة من قوة المسلمين واتقاء للعقاب الذي يمكن أن يلحق بهم جزاء على كفرهم.
الصنف الثاني: النفاق المتذبذب، وهو النفاق الذي يتخلله إيمان، لا يستقرون لا على الكفر ولا على الإيمان، قال تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاء} [النساء: 143] ، فهم - في حقيقة أمرهم - مرة من المؤمنين ومرة من الكافرين!!، وقد ضرب الله لهم مثلا فقال: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [البقرة: 20] ، فهذا الصنف من المنافقين ليس جادا مع نفسه إلى الحد الذي يحسم قضيته، بل حاله أنه عندما تهب عليه نسمات الإيمان وتهيء له عوامل التفاعل مع النور الرباني فإنه يؤمن {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} ، وعندما ترد عليه شبهات الكفر أو تتحرك عنده شهوات النفس فإن يكفر {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} ، وما هذا التذبذب والاضطراب والأرجحة إلاّ تعبيرا عن فساد العمق الداخلي لهؤلاء القوم، قال تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض} [البقرة: 10] .
ولكن لابد في هذا المقام من أن نسجل ملاحظتين اثنيتين:
أولهما: أنه رغم وجود اختلاف بين هذين الصنفين من المنافقين إلاّ أنهما يتشابهان في الصفات الظاهرة تشابها كبيرا، وفي الوقت نفسه يشتركان في المواقف اشتراكا يصل إلى حد التطابق، قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا} [الأحزاب: 12] .
وثانيهما: أن النفاق مراتب متعددة وليس على مرتبة واحدة، أي أن المنافق قد يتطور في النفاق ويتقدم فيه إلى الحد الذي يصبح معه خبيرا في النفاق، قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} [التوبة: 101] .