الصفحة 22 من 51

المحكي عنه صلوات الله عليه واقع على صفة معينة فيكون في معنى المشترك، فإن رجح بعض الوجوه فذاك، وإن ثبت التساوي فالبعض بفعله والباقي بالقياس عليه.

وقد اعترض بأن فعله صلى الله عليه وسلم إنما وقع بحال معين. وأجيب بعدم التسليم لجواز أن تتعدد جهات وقوع الفعل كما أوضحه العلامة الفناري في (فصول البدائع) .

وأما قوله: إن البيهقي حكى عن النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة وكأنه قال مسح على جوربيه المنعلين، فيعني بذلك ما قاله البيهقي في سننه وقد حكى ذلك ثم قال بعده: وقد وجدت لأنسٍ أثرًا يدل على ذلك فأسند عنه أنه مسح على جوربين أسفلهما جلود وأعلاهما خز. أهـ. [1] وتعقبه العلامة علاء الدين المارديني في (الجوهر النقي) بقوله: أي الحديث - أي حديث المغيرة - ورد بعطف النعلين على الجوربين وهو يقتضي المغايرة فلفظه مخالف لهذا التأويل، وكون أنس مسح على جوربين منعلين لا يلزم منه أن يكون النبي عليه السلام فعل ذلك، فلا يدل فعل أنس على تأويل الحديث بما لا يحتمله لفظه. أهـ.

وقال ابن الهمام في فتح القدير في ردِّ هذا التأويل: إن تخصيص الجواز بوجود النعل حينئذٍ قصْرٌ للدليل - أعني الحديث - والدلالة عن مقتضاه بغير سبب. أ هـ. أي بغير ما يدعو له لا من لفظه ولا من مقتضاه، فإن صريحه أنه صلوات الله عليه مسح على الجوربين وعلى النعلين كلًا على انفراده، وأيده في النعلين أحاديث كثيرة مخرجة في دوواين السنة:

(1) فروى الإمام أبو داود في سننه عن أوس بن أبي أوس الثقفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه وقدميه.

(2) وأخرج الإمام أحمد في سننه عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت أبي يومًا توضأ فمسح على النعلين، فقلت له: أتمسح عليهما؟ فقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.

(3) وأخرج الإمام أحمد أيضًا عن أوس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه ثم قام إلى الصلاة.

(4) وأخرج الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره عن أوس أيضًا قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فتوضأ ومسح على قدميه (أي على نعليه فيهما ليوافق روايته السالفة) [2] .

(1) 1 قلت: وسنده عن البيهقي (1/ 285) جيد، والتعقب الآتي عن المارديني قوي جدًا.

(2) 1 قلت: وأولى من هذا التأويل أن يقال: على نعليه وقدميه. فإنه الموافق للرواية الأولى حرفيًا.

ثم اعلم أن هذه الأحاديث الثلاثة هي في الحقيقة حديث واحد، اختلف الرواة في لفظه والمؤدى واحد، وهو جواز المسح على النعلين، ولو لم يكن معهما الجوربان. وهو حديث صحيح أخرجه من ذكرهم المصنف وغيرهم كالطيالسي في (مسنده) ، (1113) وابن أبي شيبة في (المصنف) (1/ 190) والبيهقي (1/ 286 - 287) ، وقد تكلمت على إسناده في صحيح أبي داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت