عن قتادة، وابن المسيب، وابن جريج، وعطاء، والنخعي، والحسن، وخِلاس، وابن جبير، ونافع رحمهم الله تعالى. وسيأتي إسناد ذلك إليهم، فذهاب هؤلاء الأخيار رضي الله عنهم إلى العمل به مما يعضد صحة حديث المغيرة ويقويه ويصححه بلا ريب، لأنه إن لم يكن هو سندهم فغيره مما هو في معناه، وهذا لا يتوقف فيه من له أدنى مسكة. على أن حديث الجوربين قد تلقاه بالقبول أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود الظاهري وابن حزم، وهؤلاء كلهم أئمة الفقه والاجتهاد، وجميعهم احتج به في الفقه المدوَّن عنه. وقد عرف في فن مصطلح الحديث 4 أن الحديث يحكم له بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول 5 وإن لم يكن له إسناد صحيح 6، قال أبو الحسن ابن الحصار في تقريب المدارك على موطأ مالك: قد يعلم الفقيه صحة الحديث - إذا لم يكن في سنده كذّاب - بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به. أ هـ. ويسمى هذا (الصحيح لغيره) ، والصحيح لغيره نظير الصحيح لذاته في الاحتجاج به والعمل بمقتضاه والأخذ بعمومه وخصوصه وإطلاقه وتقييده.
ولمعرفة صحة الحديث من جهة غير السند طرق ومدارك يدريها الفقيه المجتهد كما قرّره ابن الحصار.
وبهذا نجيب عما نقول بصحته مما لم يخرجه الإمام البخاري، وذلك أن البخاري إنما خرج ما صحَّ من طريق السند ولم يخرج ما صح مطلقًا، ولذا قال البخاري: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحالة الطول. وكذا قال مسلم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ما أجمعوا عليه. ولذا قال النووي في التقريب: ولم يستوعبا الصحيح ولا التزماه [1] . على أن ظاهر كلامهما أنهما تركا ما صح من جهة السند أيضًا الذي هو وجهة المحدث خيفة الطول، فأحرى أن يكونا تركا ما صح لغير السند وهو الصحيح لغيره، وذلك لأن الصحيح لغيره ليس له قاعدة مطردة، وإنما هو أمر يعرفه سديد الرسوخ في الأصول والفروع، النهِم بدرس الهدى النبوي ومعرفة سر التشريع ودرك حقيقة الفقه في الدين.
وقد كان بعض المحققين يسمي هذه الطريقة بطريقة (قبول الأخبار بالاستدلال) ليعادل ما بحثه الأصوليون في مسألة (رد الخبر بالاستدلال) كما تراه مبسوطًا في المسوّدة
(1) 1 ص 28 تقريب، وشرحه التدريب.