فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 448

-ويدلّ ذلك أيضًا على أن جنود بني إسرائيل كانوا يخشون من شخص (جالوت) بذاته أكثر من خشيتهم من جنوده.

جـ/ جاء الضمير في (جنود) جالوت منسوبًا إليه في كلا المرتين (( جالوت وجنوده ) )، بينما مع (طالوت) لم ينسبهم إلى شخصه وقال: (( فلما فصل طالوت بالجنود ) ): مما يدلّ على أن جنود طالوت حاربوا من أجل الله وفي سبيل الله؛ بينما جنود جالوت حاربوا من أجل شخصه فقط، فحقيقة المعركة كانت ضد (جالوت) ، والأتباع مجرد غوغاء لا يقدّمون ولا يؤخّرون، وقد جعل منهم جالوت"جندًا طائعين له يسيرون مع رغبته في السلطان والقهر والغلب بالحق وبالباطل، وكذلك الشأن دائمًا في أهل الباطل يجتمعون على رجل ويسيرون وراءه، فليست لهم إرادة غير إراته، ولا روح جماعية تجعل لهم كيانًا قائمًا بذاته، مظهره قائدهم، بل يكون الطاغية هو المسلط عليهم، يملي إرادته على أحدهم، ولا إرادة لأحد وراء إرادته، فإذا قتل ذلك الطاغية، أو قُضي على سلطانه تفرّق الجمع، وذهبت الوحدة الرابطة، وعملت السيوف في أقفيتهم" [1] .

د/ مقتل (جالوت) كان سببًا مباشرًا في الهزيمة، مما يدلّ على عدم وجود تراتبيّة مؤسسيّة، وأن الدولة التي كانت تقاتلهم لم تكن دولة حضاريّة تحمل قيم الدفاع عن أفكار وقيم أساسية، وإنما كانوا مجرّد جنود"جمعهم جالوت تحت إمرته، وفرض عليهم إرادته بحكم القهر، أو بالاستهواء، أو التبعية الشخصية ... حتى إذا قُتل تفرّق الجمع وولى الأدبار. ولا يكون الأمر كذلك إذا كانت الجماعة تحسّ بالوحدة الجامعة التي تربط آحادها، وقائدها مظهر توحد الإرادة وجمع الكلمة، وليس موجد هذه الوحدة لتسخّر لإرادته؛ فإنه في هذه الحال إذا ذهب القائد، قام مقامه من يماثله أو على الأقل يقاربه، لأن الجماعة لها إرادة موحّدة، وليست خاضعة لإرادة مسلطة وهي الموجدة لقائدها، وليس قائدها هو الموجد لإرادته، والإرادة التي أقامته تقيم غيره مقامه إذا خلا مكانه" [2] .

(1) أبو زهرة، مرجع سابق، 2/ 908

(2) المرجع السابق، نفس الصفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت