ولا شك أن الله سبحانه هو الذي مَلّك (طالوت) , فجعل (طالوت) العدل أصل اعتماده, وقاعدة استناده, لأن نعم الله يجب شكرها, وأفضل ما يشكر به (القائد) ربه, إقامة العدل فيمن حكّمه فيهم.
وقد اتفقت شرائع الأنبياء وآراء الحكماء والعقلاء أن العدل سبب لنمو البركات ومزيد الخيرات, وأن الظلم والجور سبب لخراب الممالك, واقتحام المهالك, ولا شك عندهم في ذلك [1] .
وقد رأينا -كما مرّ معنا في الباب الأول - كيف أن بني إسرائيل كانت أسباطهم في ظلم وجور حتى كاد أن يحكم عليهم بالفناء, لولا أن منّ الله العليم بـ (طالوت) ملكا عادلًا ربانيًا.
ولقد كان من كمال عدل (طالوت) أن ساوى نفسه مع الرعيّة, فخرج معهم غازيًا في ركابهم, ولما أمر بعدم الشرب كان أول التاركين. وأنصف فيه من نفسه."فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح, ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير, فإن التجاوز فيها جور, والتقصير فيها ظلم, ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم, ومن جار عليها فهو على غيره أجور" [2] .
(1) ابن جماعة, مرجع سابق، ص 69 - 70 (بتصرف) .
(2) الماوردي، أدب الدنيا والدين, مرجع سابق، ص 154