عاجزا عن ولوجها ثلاثة قرون من قبل، وينقسم هذا المجال إلى دوائر ثلاث واضحة هي: أفريقيا المدارية. والعالم العربي دون المداري، والشرق الأقصى الموسمي. ففي هذا القرن انطلقت أوربا في موجة مدية عاتية لتبتلع هذه المناطق. وتم لها ذلك في وقت قصير نسبيا. وأكثر من هذا في مراحل متعاصرة إلى حد بعيد.
القطاعات الاقليمية والسؤال المدخلي الذي يفرض نفسه منطقيا هو: لماذا تأخر استعمار المداريات إلى هذا المدى. ولماذا حدث - حين حدث - بتلك السرعة المثيرة". وأخيرا لماذا تعاصرت قطاعاته في سقوطها له؟ الذي لاشك فيه أن الاستعمار قد طرق سواحل أو بعض سواحل هذه المناطق من قبل، ولكنه ظل يتأرجح معلقا أمامها طويلا مكتفيا و بالاستعمار الديموغرافي» في أفريقيا، أو القرصنة شبه الصليبية على العالم العربي، أو بالتجارة الابتزاز ية مع الشرق الأقصى. ذلك لأن حضارة الانقلاب التجاري - وسائل نقله خاصة - لم تكن لتستطيع أن تمرق به إلى داخل القارات."
ففي أفريقيا المدارية كانت الطبيعة تخلف القارة السوداء بساحل خطي صقيل غير مضياف تقل فيه المرافئ الجيدة وتتكاثر عليه الأمواج الضاربة Surf: بينا في أعاق القارة بأبعادها السحيقة والساحقة معا تسود إما صحراوات قاحلة موحشة وإما غطاء ات نباتية تتكاثف کالأسلاك الشائكة. وحتى أنهار القارة العظيمة هي الأخرى طرق مسدودة أو شرايين مقطوعة، وذلك بحكم تركيب القارة ككتلة هضبية، فقرب مصابها تهوى من حالق في شلالاندفع تشل، الملاحة والحركة دخولا أو خروجا (1) .
أفريقيا الدارية إذن كانت للاستعار صندوقا مغلقا رهيبا. بدور حوله جيئة وذهابا ولكنه لا يملك مفاتيحة ولا يملك أن ينفذ إليه. ولهذا ظلت تستمد كل أهميتها طوال العصر التجاري من أنها عقبة لا عتبة إلى الهند. وبعض هذا، مضافا إليه البعد الجغرافي الشديد. يقال عن الشرق الأقصى الموسمي، ولكن الانقلاب الصناعي قلب هذا الوضع. فقد مد أوربا بالمفتاح الحضاري اللازم لقهر هذه البيئات الطبيعية الصعبة. أي أن الاستعمار عجز عن دخول المداريات بحضارة الانقلاب التجاري ولكنه نجح بحضارة الانقلاب الصناعى ..