المشورة:
فلما طال على المسلمين هذه الحال، جمع النعمان أهل الرأي بالحرب وتشاوروا في ذلك، وكيف يُخرجون الفرس من حصنهم ليلتقوا بهم في صعيد واحد على أرض المعركة.
تعددت الآراء، فقال بعضهم: نهجم عليهم في حصنهم
فرد عليه أحدهم قائلًا: إن حصونهم عون لهم علينا.
وتكلم طليحة الأسدي وهو الذي كان يعد بألف فارس فقال: إني أرى أن تبعث سرية فتحدق بهم، ويناوشونهم بالقتال فإذا برزوا إليهم فليفروا هاربين أمامهم، فإذا لحقوا بهم هربنا أيضًا كلنا، فإنهم حينئذ لا يشكُّون في هزيمتنا، فيخرجون كلهم من حصونهم، فإذا تكامل خروجهم، رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضي الله بيننا.
فاستجاد الحضور هذا الرأي ونفذوه.
وانطلت الحيلة على الفيرزان:
أمَّر النعمان على المشاة القعقاع بن عمرو التميمي، وأمره أن يحاصروا البلد وحدهم، ويطبقوا الخطة.
هجم القعقاع بمن معه على جيش المجوس، واشتبكوا معهم، ثم هرب القعقاع بمن معه حسب الخطة، فقال المجوس لبعضهم: إنها فرصة فاغتنموها، ولحقوا بهم، ففعلوا ما ظن طليحة إذ خرجوا بأجمعهم، حتى انتهوا إلى الجيش، وكان النعمان على تعبئة تامة، وذلك في صدر النهار، وكان يوم جمعة، فعزم الناس على مصادمتهم، فنهاهم النعمان، وأمرهم ألا يقاتلوا حتى تميل الشمس إلى الزوال، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألح الناس على النعمان في الحملة فلم يفعل، وكان رجلًا ثابتًا، قوي الشخصية، فلما كان الزوال صلى بالمسلمين وركب حصانه، وصار يقف على كل راية، ويحثهم على الصبر، ويأمرهم بالثبات، ثم رجع إلى موقفه.
وتعبأت الفرس تعبئة عظيمة، واصطفوا صفوفًا هائلة في عدد وعُدد لم يُر مثلها، وألقَوا حسك الحديد وراء ظهورهم حتى لا يفروا أو يهربوا.
الالتحام:
أناس يخافون من الموت، يقابلون أناسًا يطلبون الموت.
كبر النعمان وهز الراية، وكبر معه المسلمون ثلاث تكبيرات فزلزلت الأعاجم من ذلك ورعبوا رعبًا شديدًا،
إن التكبير الذي نقوله ونسمعه، غير التكبير أمام العدو، فهم يحسبون كل صيحة عليهم، والتكبير في الحرب؛ ما هو إلا قنابل إلهية لا تصيب الجسوم حتى نرى أثرها، بل تصيب القلوب فنرى أثرها، انهزام