فينبغي للعاقل أنْ يتدبرَ في ذلك اليوم - يوم الدين - والله هو الملك فيه، لا يَملك معه أحد شيئًا، إنَّما الملك كله لله - سبحانه - وهو لا يظلم شيئًا، ولو كان مثقالَ ذرة.
وهذا يَجعلنا نفهم أنَّ الله يطهر المؤمنين قبل دخول الجنة، وأنَّ التطهير يَقَعُ للمؤمن منذ كان في الدُّنيا بِما يُصيبه من مصائب وآلام تَحُطُّ ذنوبَه، ثُمَّ مَن بقي عليه من الذنوب طهره في قبره بعذاب القبر وفتنته، ثم لمن بَقِيَ عليه من الذنوب بأهوالِ يومِ القيامة، ثم بالقصاص بين العباد، فمن بَقِيَ عليه من الذَّنب ولم ينله من العفو، دَخَل النار يتطهر فيها، ثم يأذن الله - سبحانه - له فيدخله في شفاعة مَن يشاء من الشافعين، ولا يُحبَس في النار إلا الكافر الذي لم يشهد لربه بالوحدانية، وذلك لأنَّ الله يَجعل نعمه على عبده المؤمن صدقةً منه عليه، أمَّا الكافر، فإنَّ الله - سبحانه - لا يَجعل نعمه عليه صدقة، بل يُؤاخذه بها، فتكون أعماله التي هي من جنس الخيرات سرابًا لا ينفع، ورمادًا اشْتَدَّتْ به الريحُ في يوم عاصف، فيجعلها الله هباءً منثورًا، لا يقدر منها على شيء، وذلك لأنَّ أصغرَ النِّعَم لو وُزِنَت أمامَ عمل العبد، لرجحت النِّعمة، وخفَّت أعمالُ العبد، ولِمَ لا؟ والعبد لا يبيع أيَّ نعمة من سَمْعٍ، أو بصر، أو غيره بكنوز الأرض.
أخرج أحمد [1] عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة، وأخذ منها غصنًا يابسًا، فهَزَّه حتى تَحَاتَّ ورقُه، ثم قال: يا أبا عثمان، ألاَ تسألني لِمَ أفعل هذا؟ قلت: ولِمَ تفعلُه؟ فقال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا معه تحت شجرة، فأخذ منها غصنًا يابسًا، فهَزَّه حتى تَحَاتَّ ورقُه، فقال: (( يا سلمان، ألا تسألني لِمَ أفعل هذا؟ فقلت: ولِمَ تفعله؟ قال:
(1) "المسند" (5/ 437) .