شبهة، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أو منهومًا باللذة، سَلِس القيادة للشهوة، أو مغرمًا بالجمع والادخار، ليس من رعاة الدين في شيء أقرب شبهًا منها الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله، إما ظاهرًا مشهورًا، وإما خائفًا مغمورًا؛ لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا وأين؟
أولئك والله الأقلون عددًا، والأعظمون عند الله قدرًا، بهم يحفظ الله حججه وبيناته، حتى يودعها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الإيمان حتى باشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استخشن المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقة بالرفيق الأعلى.
يا كميل، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه آه شوقًا إليهم، انصرف يا كميل إذا شئت، لا ينفع العلم قلبًا قاسيًا أبدًا، ولا يلين لفك الماضغ الحجر.
وقالوا: العلم ثلاثة: حديث مسند، وآية محكَمة، ولا أدري، فجعلوا"لا أدري"من العلم إذا كان صوابًا من القول.
قال عبدالله بن مسعود: تعلَّموا، فإذا علمتم فاعملوا.
وقال مالك بن دينار: العالم إذا لم يعمل بعلمه، زلَّت موعظته عن القلب كما يزِلُّ الماء عن الصفاء.
وقال عمر الفاروق: أيها الناس، تعلموا كتاب الله تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله [1] .
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالًا، فسلَّطه على هلكتِه في الحقِّ، ورجلٍ آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها ) )؛ متفق عليه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذِّكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله عز وجل تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك، ويحمدونك ويمجدونك، فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوك، فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا، فيقول: فماذا يسألون؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب، ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟
(1) العقد الفريد 2/ 208 - 223 بتصرف.