الكذب، وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، وقالوا: نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دروا أن تقويله ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى؛ لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما، وهو الحرام والمكروه، ولا يعتد بمن خالف ذلك من الكرَّامية؛ حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة، وأصبح بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية [1] .
(فليلج النار) ، وفي رواية: (يولج النار) ، انظر أخي لبلاغة الحبيب، أَمْرٌ عليك أيها المسلم إذا كذبت فبدون تَحَرُّج: أَدْخِل نفسك قعر جهنم، ولا تحرّج في ذلك؛ لأنك تركت الخير كمن ترك لحم الأضاحي وذهب للحم الخنزير، ويأكل من لحم نِيء نتن، ويترك اللحم الطيب، فأمامك الصحاح، فلمَ الكذب؟ والله أعلم.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ) ) [2] .
عن عبدالرحمن بن هرمز الأعرج أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت عنه - يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم - شيئًا أبدًا، لولا قول الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 174] .
وهذا دليل على أن من علم شيئًا فكتمه، فيه معصية لله الذي وهب لك العلم الذي حرم منه خلق كثير، فأعطاك نعمة لتحدث بها، {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] ، فلما تبخل على الناس، أتريد أن تلجم بلجام يوم القيامة، أم تأتي مرفوع الرأس شامخ الجبين، تمسك بيد الحبيب تقبلها، وتقول لأصحابه: لنزاحمنكم على الحوض، ومعصية للحبيب الذي حث على القراءة، وكل حياته في التعليم والتعلم مع أنه أمي لا يقرأ كتابًا، فعلم قارئنا وكاتبنا، فانهض من غفلتك، وحضر دروسك، وانصب نفسك للفتيا بعلم، عفوًا أنا أكلم صاحب العلم، لا كل من هب ودب، ولترفع راية سمعنا وأطعنا، ولتعلم الناس مما علمت رشدًا.
(1) السابق 1/ 340.
(2) أبو داود (3658) ، والترمذي (2649) ، وابن ماجه (266) .