أثبت التاريخ واقعيتها وسبقها لرؤية من كان يظن باستحالتها، كما أن قوافل قريش قامت على أموال اقترفتها من بيع دور مغلقة للمهاجرين بمكة، وظل المهاجرين يعانون وحال الأنصار المدينة في جوارهم لهم ومؤازرتهم لا يعني أن الأنصار لم يكن يعانون اقتصاديًا أيضًا، وأن المهاجرين كانوا من عزة النفس بما لا يسمح لهم بالركون إلى كرم الأنصار الذي فاق الحد، كان يجب أن تظهر قوة المسلمين ووجودهم في أن يشكلوا خطرًا على طريق القوافل المكية التي تمر به من المدينة بما يشعرهم بالقلق على أموالهم وتجاراتهم، كما أن قريش قد اشتد بها الغيظ من أهل المدينة في مؤازرتهم للدعوة الجديدة، وكانوا يتحينون الفرص للاشتباك معهم بطريقة أو بأخرى.
أما السبب المباشر لعزوة بدر فهو، أنه قد بلغ المسلمين تحرُكُّ قافلة تجارية كبيرة من الشام تحمل أموالًا هائلة لقريش يقودها أبو سفيان ويقوم على حراستها بين ثلاثين وأربعين رجلًا، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة ليقوم بجمع معلومات عنها، وبعد أن عاد الصحابي الجليل بالمعلومات، ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج، أي لم يأمرهم بل ترك الأمر للرغبة من عدمها، وقال لهم:"هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها"، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك، ولم يكن يعزم على قتال بل كان قصده عير قريش فقط.
ويكفينا لمحات خاطفات نطوق بها أحداث غزوة بدر باكورة الغزوات الإسلامية، وبشائر انتصاراتها المجيدة الحاسمة والتي لولاها لما قام للإسلام قائمة، ومن هذه اللمحات: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسمح لجيشه بالمبادأة بالقتال، حيث بدأ الهجوم من جانب المشركين؛ إذ هجم الأسود بن عبد الأسد على الحوض الذي بناه المسلمون معاهدًا اللات والعزى ليشربن من الحوض أو يهدمنه أو يموتن دونه، فتصدى له حمزة بن عبد المطلب فضربه فلم يرتدع، فأجهز عليه قبل أن يبر بعهده على الأصنام.
ومن هذه اللمحات: أن التكتيك العسكري كان رائعًا ومدروسًا، ولم تغب عن المعركة الاستشارة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدير المعركة من داخلها، كما ظهرت وحدة الصف في جيش المسلمين، بينما ظهرت الانشقاقات في جيش الكفار، ولم يتخلَ الله