وأنها تمثل لحظة تاريخية فاصلة لها ما بعدها في حالة النصر وأنه قد لا يكون هناك بعدها في حالة الهزيمة من حيث وجود الإيمان في الأرض، وتوحيد الله سبحانه، ولهذا لاذ بالله تعالى يدعوه رافعًا أكف الضراعة، مستقبلًا القبلة يستنجزه وعده، وهو يقول:"اللهُمَّ آتني ما وعدتني، اللهُمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تَهلِكَ هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تُعبَد في الأرض"، وظل صلى الله عليه وسلم على هذه الحالة لا يفارقها حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وحتى نزل الوحي يطمئنه؛ سيُهزَم الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُر.
وقد يدور سؤالًا مشروعًا: هل كانت لهذه الموقعة ضرورة مع ما يكتنفها من مخاطر ستقع آثارها، غالبًا، على المسلمين الأقل في العدة والعدد؟
وقبل الإجابة نرصد المسافة التي قطعها رسول صلى الله عليه وسلم 165 كم، ما بين المدينة المنورة وبدر، ومن حيث العدد، كان أول جيش منظم في الإسلام يبلغ 314 جنديًا، من حيث العدة، لم يكن معهم سوى سبعين بعيرًا يتعقبونها.
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير ـ أي يتعاقبون ـ وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا له: نحن نمشي عنك ـ ليظل راكبًا ـ فقال:"ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما".
وكان عدد المشركين في أول أمرهم ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية خروجه من مكة، ثم أصبح ألفًا بعد رجوع بني زهرة إلى مكة تاركة القتال لأبي جهل ومن معه، وكان معهم مائة فرس، وستمائة درع، وينفق على جيش المشركين تسعة من وجهاء قريش وأشرافها، ويكفي أنهم كانوا ينحرون في كل كل يوم تسعًا أو عشرًا من الإبل.
والجواب على هذا السؤال يقول بأن الصدام كان لا محالة سيحدث بين قوى الإيمان وقوى الشرك مهما طال الأمر، ومن يعد إلى وثيقة المدينة التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود والمشركين والنص على عدم التحالف بينهم وبين مشركي قريش مع عدم وجود دلالات وقت هذه الوثيقة على وجود روابط بين هذه الأطراف، لا يخفي النظرة الثاقبة الواعية والتي