وقال الشيخ محمد الصالح رمضان: حدثني المرحوم الشيخ عيسى قدور وهو من طلبة الشيخ الذين لازموه، وأخذوا عنه وتأثروا به بما مؤداه وملخصه:
"جاء إلى الشيخ سنة 1933 م أخوان شقيقان من جبل الوحش للدراسة دون علم من والدهما الذي كان من الطرقيين المحاربين للشيخ، لاعتقادهم أنَّه عدو للدين لأنَّه يحارب البدع والخرافات التي يعتقدون أنها الإسلام، ولمَّا علم الوالد بأمر ولديه اسودت الدنيا في وجهه، وكتب إليهما رسالة تلتهب حنقا وغضبا، يُعْلِمُهما أنَّهما عاقَّان له ومحرومان من إرثه وأنَّه بريء منهما إلى يوم الدين إلاَّ إذا تابا وعادا إلى البيت".
كانت الرسالة بمثابة صاعقة ارتجَ لها الطالبان، ولمَّا كانا يعرفان مكانة الشيخ عيسى عند شيخه ابن باديس أسرعا إليه وبثاه حزنهما، فما كان منه إلاَّ أن أطلع شيخه على الرسالة فتأثر بالغ التأثر وقد حزَ في نفسه أن يُحرم الولدان من نور العلم نتيجة الجهل، وقال له أرجئ الأمر إلى يوم الراحة.
وفي يوم الراحة «الخميس» ذهب الإمام بالولدين رفقة الشيخ عيسى إلى دارهما، فما إن راى والدهما الإمام حتى اندهش وتأثر وأسرع إليه خطاه وهو يقول: من أنا حتى يأتيني الشيخ باديس، وأخذ يقبل رأسه في تأثر وانفعال، ثمَّ ترجى الشيخ في عبارات مؤثرة أن يدخل الدار ويتناول الغداء على مائدته فقبل الشيخ ذلك ولكن على شرط أن يرضى على ولديه ويسامحهما.
فقال الرجل: قد عفوت عنهما، وإنَّهما منذ الآن ولداك ولن يتخلفا عنك، ثمَّ مدّ يديه إلى السبحة في عنقه فقطعها وهو يقول: لعن الله هذه السبحة التي كانت تدخلني النار.
فقال له الشيخ: إنَّ السبحة لا تضر ولا تنفع، ولم أقل يوما لِمَ تسبحون بالسبحة، وإنّما أقول: اتقوا الجهل فإنه أضرّ بالإنسان من الطاعون.
وبعد تناول الطعام تبرع الرجل للطلبة بعشرة آلاف فرنك، وتعهّد بهذا المبلغ، وبثلاثين قنطارا من القمح كل عام، وعاد الشيخ الإمام بالولدين ليواصلا دراستهما في هذه «المدرسة» نتيجة هذا السلوك المثالي، والموقف الإنساني، والدرس البليغ.