وقع والده في ديون كبيرة فبعث إليه"ميرانت" (مدير الشّؤون الأهلية في الولاية العامّة بالعاصمة) دعوة بالحضور إلى مكتبه في وقت محدّد معلوم ـ ليكون والد ابن باديس حاضرا ـ، فلمّا دخل عليه قال له:
"إنّ أسرة ابن باديس في ضائقة مالية حادّة، وهي مقبلة على الإفلاس منذ اليوم، وإنّ الحكومة الفرنسية تعلن استعدادها لإنقاذ الأسرة، وهي هذه المرّة لا تطلب منك حلَّ"الجمعيّةِ"، وإنّما تكتفي منك بالاستقالة منها فقط، تكتب الاستقالة وتوقّعها لتبقى محفوظة عندنا من غير إعلان عنها أو إشهار، ونحن نسلّم لأبيك الآن صكّا مصرفيّا يقضي كلّ ديون الأسرة، ويمنحها فرصة لاستعادة مكانتها الاقتصادية والاجتماعية، ونحن يعزّ علينا سقوط هذه العائلة الماجدة وإفلاسها"!
لم يُجِب ابنُ باديس في حضرة والده، وطلب مهلة للتّفكير إلى صباح اليوم الموالي، وفي الغد كتب جوابه إلى ميرانت:
"اقتُل أَسِيرَك يا ميرانت، أمّا أنا فمانع جاري" (الجمعيّة!) اقتل مصطفى بن باديس واقتل معه ابنَه عبد الحميد، واقضِ على أسرة ابن باديس إنْ مَنَحَك الله هذه القدرة، ولكنّك لن تصل أبدا إلى قتل"جمعيّة العلماء"بيدي، لأنّ"جمعيّة العلماء"ليست جمعيّة عبد الحميد بن باديس، وإنمّا هي جمعيّة الأمّة الجزائريّة المسلمة، وما أنا إلاّ واحد فيها أتصرّف باسمها واسم الأمّة كلّها، ومُحَالٌ أن أتصرّف تصرّفا أو أن أقف موقفا يكون فيه قتل"الجمعيّة"على يدي، أقول هذا وحسبي الله ونعم الوكيل" [1] ."
حدثني كل من الأخوين الفاضلين محند أرزقي فراد مباشرة، ومحمد الطيب سي بشير هاتفيا، رواية عن الشيخ علي سي بشير (من أسرة الجنرال سي لحسن العربي) ؛ حدثاني أن الإمام عبد الحميد ابن باديس، الذي سماه عبد القادر ابن مقيدش من جيجل"روح الجزائر"، دُعِيَ لزيارة منطقة عين الحمام، في منطقة زواوة، فلبَّى الإمام
(1) . إمام الجزائر عبد الحميد ابن باديس. [ص:127] لعبد القادر فضيل ومحمد الصالح رمضان.