فكأن الله في سورة الحج يُبكِّت ويُوبِّخ المشركين بتذكيرهم بنِعمَه وفضله عليهم، ردًّا على إنكارهم الوحدانية وشركهم، وإعراضهم عن اتباع طريق الهدى الذي دعا إليه الأنبياء جميعًا في سورة الأنبياء.
النموذج الثاني: مناسبة مضمون سورة النور لمضمون سورة المؤمنون التي قبلها في ترتيب المصحف:
وُجِد تناسب بين سورة النور وسورة المؤمنين التي قبلها، وقد تَمثَّل هذا التناسب فيما يلي:
1 -يقول الشيخ سعيد حوى:"تتحدث سورة النور عن أحكام تُطالَب بها الأمة الإسلامية، وتتحدث عن أحكام لها صلة بالنظام الاجتماعي للأمة الإسلامية، ولذلك نجد سورة المؤمنون تتحدث عن الوحدة الإسلامية خلال العصور؛ قال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] ، فالسورة تتحدث عن موضوع وحدة الأمة الإسلامية، وتُنكر موضوع تقطيع أمر الأنبياء والأخذ ببعضه وترك بعضه؛ مُقدمةً لسورة النور" [1] .
2 -أنه سبحانه لَمَّا قال في سورة المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5] ، ذكَر في سورة النور أحكامًا كثيرة تدعو إلى حفظ الفروج، وتؤدي إلى سلامة المجتمع من الزنا ومظاهره؛ حيث تبدأ السورة بالحديث عن حد الزنا وحد القذف، وتضع عقوبات رادعة صارمة للمستهترين بحِفظ فروجهم، والمتطاولين على الأعراض، والمنتهكين لطهارة المجتمع وعِفته، وتحدَّثت السورة بعد ذلك عن آداب الاستئذان، وأحكام غض البصر، وحثَّت على الزواج لمَن ملَك الاستطاعة والقدرة على أعبائه، وتُوجِّه خطابًا للأولياء بتزويج الأيامى من أبنائهم وبناتهم، ثم تُوجِّه خطابًا آخر للأسياد لتزويج الصالحين من عبيدهم وإمائهم، وكل هذه الأحكام تدعو إلى حفظ الفروج - إما بصورة نظرية أو عملية - وتلتقي مع سورة المؤمنون في هذا الهدف السامي النبيل [2] .
(1) الأساس في التفسير؛ للشيخ سعيد حوى، ج 1، 3613، دار السلام، 1405 هـ - 1985 م.
(2) المناسبة بين الفواصل القرآنية وآياتها: دراسة تطبيقية لسورتي النور وفاطر، رسالة ماجستير للباحثة آمنة جمال إسماعيل كحيل، ص 18، بتصرف يسير.