صدرًا، وأجملهم قلبًا وأعرقهم أصالة، وأعرفهم باستعطاف المباعد، واستجلاب المنافر المباغض، وهذا شيء قد خصَّك به، فرفعك على جميع الخلق درجات لا تُحصى ومُراتب لا حدَّ لها" [1] ."
يقول الدكتور مشهور موسى:"إن الابتلاء الذي ينزله الله على عباده، وما يترتب عليه من عقاب أو ثواب، لا يكون إلا بعد أن تُوضَّح التكاليف الشرعية، ويُبرهن عليها ويُدلل، ولَمَّا كان ذلك في السورة نفسها: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 155] ، أعاد سبحانه في مطلع سورة الأعراف التأكيد والتدليل على ما اختتمت به الأنعام من الامتثال والثبات على التكاليف الشرعية التي مصدرها كتاب الله، ولذلك كان الحديث في بدء سورة الأعراف كما تقدَّم عن كتابه ووجوب التزامه؛ قال تعالى مدللًا على ما تقدَّم: {المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 1 - 3] " [2] .
النموذج الثاني: التناسب بين أوائل سورة الرحمن وأواخر سورة القمر:
قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54، 55] .
وقال تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} [الرحمن: 1 - 7] .
ختم الله سورة القمر بذكر مُلكه العظيم وبليغ قدرته، ومِن ثَمَّ فإن الملك القادر المقتدر لا يكمل مُلكه إلا بذكر الرحمة، ولا بد من عموم هذه الرحمة، فلذلك أتى بعده بسورة الرحمن التي عدَّد فيها الرحمة، وفرَّع ونوَّع النِّعم والآلاء على الخلق جميعًا، وهذا التعدد في النعم لا يكون إلا من ملك قادر رحيم، وقد جاء ذكر النعم وما يَلقاه المتقون في جنات النعيم مُجملًا في سورة القمر، ومِن ثَمَّ فقد اقتضى هذا الإجمال تفصيلًا واستقصاءً، وهو ما جاء في سورة الرحمن التي فصَّل الله فيها نِعمَه وآلاءَه على عباده؛ يقول تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} [الرحمن: 1 - 7] .
(1) نظم الدرر؛ للبقاعي، ج 7، ص 348.
(2) التناسب القرآني عند البقاعي؛ للدكتور مشهور موسى، ص 110.