غرضٍ إلى آخر، بما يَصون كلامه عن التفكك وعدم الانسجام - مع فارق التشبيه بين النصين؛ فالنص الأدبي يعكس لنا تصورًا كليًّا لقضية ما، وأما النص القرآني فإن السورة الواحدة فيها حياة مليئة بكل حركة تفصيلية لشؤؤن الحياة جميعها - فكيف لا يَرِد هذا في أفصح كلام وأبلغ نظام، إضافة إلى ما يفيده هذا التناسب من ترجيح لبعض الأقوال على بعض، وما يفيد أيضًا من تَقْوِية المعنى والحث عليه [1] .
ومما سبق يتضح أن الإمام الشوكاني والإمام العز بن عبد السلام قد جانَبهما الصواب في مسألة اعتراضهما على القول بالمناسبة في القرآن، وأن جميع الشبهات التي استندا إليها لا تقوى على غمز علم المناسبة أو الحط من شأنه، ما دامت هناك ضوابط موجود متمثلة في حُسن الربط والبعد عن التكلُّف والتعسُّف، وهذ بالطبع ما يوجد في القرآن - أي حُسن الربط والبُعد عن التكلف والتعسف - وعلى ذلك فالمناسبة تُعد من أدق العلوم والوسائل التي تساعد على التعمق في فَهْم القرآن، واكتشاف دقائق ترابُطه وسَبكه.
لكن الدكتور محمد عناية الله سبحاني كان له رأي آخر في معارضة الشوكاني للمناسبة؛ إذ إنه يرى أن الشوكاني لم يكن يعارض المناسبة، ولم يُنكرها، فيقول:"إن الإمام الشوكاني له فضله ومكانته، بحيث لا يُقطع دونه الأمرُ، وإن عبارته هذه لا تكفي للقطع بأنه من المعارضين لتلك الفكرة، كيف وهو يَنهج في تفسيره نهجًا يشدُّ أزرَ القائلين بها، ولا يجد فرصة لإبراز النظام - المناسبة - إلا ويَنتهزها، ويقف عندها وقفة لا بأْسَ بها؟!" [2] .
ثم راح يأتي بأمثلة من تفسير الشوكاني يُدلل بها على أن الشوكاني لم يكن يعارض القول بالمناسبة في القرآن، ومن هذه الأمثلة التي جاء بها: قول الشوكاني عند تفسيره قولَه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33] :"لَمَّا فرَغ سبحانه من بيان أن الدين المرضي هو الإسلام، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي لا يصح لأحد أن يحبَّ الله إلا باتباعه، وأن اختلاف أهل الكتابين فيه، إنما هو لمجرد البغي عليه والحسد له - شرع في تقرير رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وبيَّن أنه من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة" [3] .
(1) السابق، ص 54 بتصرف يسير،.
(2) إمعان النظر في نظام الآي والسور؛ للدكتور محمد عناية الله سبحاني، ص 36.
(3) فتح القدير؛ للشوكاني، ج 1، ص 333.