الصفحة 18 من 28

اللغوي:"عقد سيبويه الكتاب بلفظه ولفظ الخليل"ويقول السيرافي:"سألته أو قال، من غير أن يذكر قائله فهو الخليل"، حقًا سبقت الخليل خطوات كما بيننا عند الحضرمي وعيسى بن عمر ولكن الحق يقال إنّ الخليل هو الذي رفع قواعد النحو ووضع أركانه وشاد صرحه وبناء الضخم، بما رسم من اصطلاحات وضبط القواعد، وبما شعب من فروع. فمن الاصطلاحات النحوية التي ظهرت في محاورات التلميذ سيبويه لأستاذه الخليل: المبتدأ والخبر، وكان واخواتها وإنّ واخواتها، والفاعل والمفاعيل، والحال والتمييز والتوابع والنداء والندبة والاستغاثة والترخيم والمقصور والممدود والمهموز، والخليل هو الذي سمّى علامات الإعراب في الأسماء بالرفع والنصب والخفض، وسمى الكسرة غير المنونة باسم الجر. وكان يرى أنّ الألف والياء والواو في التثنية وجمع المذكر السالم هي نفس حروف الإعراب، ووضع المجرد والمزيد. (شوقي ضيف: المدارس النحوية: 34) ويلحظ قارئ الكتاب أن الخليل أسس لفكرة العامل والمعمولات ومدّ فروعها وأحكمها إحكامًا بحيث أخذت صورتها على مر العصور كما رسمها الخليل وثبتها سيبويه. وكذلك الحال بالنسبة للقياس والسماع والتعليل.

يعدّ كتاب سيبويه (قرآن النحو) معينًا زاخرًا بشتى العلم والمعارف اللغوية، والرغم من أن سيبويه مات قبل أن يرى كتابه النور إلا أن كتاب سيبويه هذا بلغ القمة فيما وصلت إليه الدراسات النحوية في أواخر القرن الثاني الهجري. وقد صنع سيبويه في مؤلفه"الكتاب"أعظم ما يصنع عالم لموضوعه، إذ آتاه حقه من التقصي والاستيعاب، ومن الدرس والنقد، وجهد ما أسعفه الجهد الكبير، والعقل المستنير لتحرير المسائل وترتيب الموضوعات حتى استحق كتابه في النحو والصرف أن يكون هو الكتاب، واستحق سيبويه بكتابه أن يكون في النحويين إمامهم الأكبر حتى عصرنا هذا، فأقبل الباحثون وطلبة العلم من بعده على دراسة الكتاب وشرح شواهده والتنقيب عنها. وقد تسارع العارفون بالنحو والفقه والشعر واللغة إلى تناول هذا الكتاب بالشرح، وجاء الكثير منهم في شروحهم إلى الحديث عن شخصيته العلمية، وثقافته اللغوية، وقدرته على معرفة معاني المفردات، وتفسير الأبنية الغريبة وضبطها، وبيان مفردات جموعها، واستشهاده للمعاني التي يريد توضيحها، وكثرة نقوله عن أئمة اللغة والنحو، واجتهاده الذاتي الذي تجلى في إسرافه في التعليلات النحوية التي تدور حول حكمة اللغة في تركيباتها، وعلاقة مفرداتها، وعلامات الإعراب والبناء، وكان لهذه الشروح أيضًا صدى لثقافته القرآنية، والفقهية والشرعية، وفي علم الأنساب، والمنطق والكلام، فهذا الكتاب أصبح بمثابة خزانة للكتب، احتواها بالقوة في ضميره وتمخض عنها الزمن بالفعل من بعد وفاة سيبويه، ولذلك نرى أن الأئمة كلهم تلاميذ في مدرسته، فلا نرى المؤلفون جميعًا يتقدمون في علم النحو إلا بأن يناقشوه ويفسروه ويعلقوا عليه ويصوبوه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت