على المفاهيم، وشتان بين الاثنين، وتشير مقولة نقط المصحف إلى أنّ أبا الأسود قال ابغوا لي رجلا وليكن لقنا فطلب الرجل فلم يوجد إلا في عبد القيس فقال أبو الأسود إذا رأيتني لفظت بالحرف فضممت شفتي فاجعل أمام الحرف نقطة فإذا ضممت شفتي بغنة فاجعل نقطتين فإذا رأيتني قد كسرت شفتي فاجعل أسفل الحرف نقطة فإذا كسرت شفتي بغنة فاجعل نقطتين فإذا رأيت قد فتحت شفتي فاجعل على الحرف نقطة فإذا فتحت شفتي بغنة فاجعل نقطتين قال أبو العباس فلذلك النقط بالبصرة في عبد القيس إلى اليوم. ويرى الباحث بأن هذه إرهاصات للاصطلاحات النحوية وليست اصطلاحات قد ترسخت واتفق عليها وقام عليها الإجماع بعد.
ومع تقدم الزّمن نجد اصطلاحي الرفع والنصب عند يحيى بن معمر في قصته مع الحجاج بن يوسف الثقفي، إذ يحكى أن الحجاج قال له: أتجدني ألحن؟ فقال: الأمير أفصح من ذلك. فقال عزمت عليك، أتجدني ألحن؟ فقال يحيى: نعم. فقال له في أي شيء؟ فقال في كتاب الله تعالى، فقال ذلك أسوأ، ففي أي حرف من كتاب الله؟ قال: قرأت: (قل إن كان آباؤكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم) ، فرفعت أحب وهو منصوب. (طبقات النحويين واللغويين: 28)
ولاشك أن هناك أوليات للنحو وضعها الواضع الأول أبو الأسود الدؤلي كما أسلفت، ولكننا نبقى في تساؤلنا هل هي علامات الإعراب من رفع ونصب وجر؟ أم هي تقسيم الكلام إلى اسم وفعل وحرف؟ أم هي نقط المصحف فقط، على ما أشارت إليه الروايات المختلفة، أم كان ذلك وضع أسس النحو بشكلها الذي يعد مثل بدايات أي علم من العلوم، كما إننا لا نعرف شيئًا عما قبل بشأن كتاب أبي الأسود (المختصر) كما يزعمون، فلم يصل إلى علمنا ما يشير إلى وجوده، أو النقل منه، ولا يشير إلى العلم الذي أخذه عنه ابنه عطاء، وكيف كان، وهل هو بدايات مرحلة التأسيس لهذا العلم، أم انه امتداد وتطور لمرحله سابقه مهما كانت؟ يقول أحمد أمين في ضحى الإسلام: وتاريخ النحو في منشأه غامض كل الغموض، فأنا ترى فجأة كتابًا ضخما ناضجًا وهو كتاب سيبويه، ولا نرى قبله ما يصح أن يكون نواة تبين ما هو سنة طبيعية من نشوء وارتقاء، وكل ما ذكروه من هذا القبيل لا يشفي غليلًا (ضحى الإسلام 2\ 285) .
وتذكر الكتب التاريخية والنحوية أسماء بعض العلماء البصريين الذين كان لهم دور أو مساهمة في وضع الاصطلاحات النحوية ومنهم، يقول أبو عبيدة: أول من وضع العربية أبو الأسود الدؤلي، ثم ميمون