وأما التفضيل على كثير من المخلوقات، فالمراد به التفضيل المشاهد لأنه موضع الامتنان، وذلك الذي جماعه تمكين الإنسان من التسلط على جميع المخلوقات الأرضية برأيه وحيلته، وكفى بذلك تفضيلا على البقية" [1] . ا. هـ."
2 ـ وهو الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلفه وشرفه، وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعا منه:"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ". ص: 71 - 72. وقال تعالى:"وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ". الجاثية: 13.
3 ـ ولقد دعا الله تعالى الإنسان إلى النظر في خلقه وكيفية تكوينه:"فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ". الطارق: 5 - 7. يقول العلامة عبد الرحمن السعدي:"أي: فليتدبر خلقته ومبدأه، فإنه مخلوق {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} وهو: المني الذي {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} يحتمل أنه من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي ثدياها. ويحتمل أن المراد المني الدافق، وهو مني الرجل، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه، ولعل هذا أولى، فإنه إنما وصف الله به الماء الدافق، والذي يحس به ويشاهد دفقه، هو مني الرجل، وكذلك لفظ الترائب فإنها تستعمل في الرجل، فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريدت الأنثى لقال:"من بين الصلب والثديين"ونحو ذلك، والله أعلم. فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق، يخرج من هذا الموضع الصعب، قادر على رجعه في الآخرة، وإعادته للبعث، والنشور" [2] .
4 ـ كما دعاه إلى النظر في طعامه وهو ألزم شيء له، وألصق شيء به، وأقرب شيء إليه، فقال تعالى:"فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ". سورة عبس: 24 - 32. قال جمال الدين القاسمي في تفسيره:"أي: فإن لم يشهد"
(1) التحرير والتنوير: 14/ 130 - 131. مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان الطبعة الأولى، 1420 هـ/2000 م.
(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 919. مؤسسة الرسالة. الطبعة الأولى 1420 هـ -2000 م.