يجوز أن يكون هذا الدعاء محكيًّا من قول المؤمنين الذين قالوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] ، بأن اتبعوا القبول والرضا، فتوجهوا إلى طلب الجزاء ومناجاة الله تعالى، واختيار حكاية هذا عنهم في آخر السورة تكملة للإيذان بانتهائها، ويجوز أن يكون تلقينًا من جانب الله تعالى إياهم بأن يقولوا هذا الدعاء ... إن الله بعد أن قرر لهم أنه لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، لقَّنهم مناجاة بدعوات هي من آثار انتفاء التكليف بما ليس في الوسع، والمراد من الدعاء به: طلبُ الدوام على ذلك.
وقيل في هذه الآية: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] ، لا تؤاخذنا: أصلها لو أخذتها وانتزعتها من هذه الجملة لكانت نهيًا، لكن لما كانت منطلقة من العبد الذليل إلى الرب الجليل، كانت في صيغة الدعاء؛ لأنها في مقام الخشوع والتذلل والابتهال، والخشوع والتذلل انقلب إلى دعاء؛ لأن المقام هو الذي يغير الصيغة.
وقوله: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] ؛ أي: ما لا نستطيع، بإعادة النداء مع أنه مستغنى عنه؛ لأن مخاطبة المنادى مغنية عن إعادة النداء، لكن قصد من إعادته إظهار التذلل.
وقوله: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] ؛ أي: ما لا نستطيع حمله من العقوبات، والتضعيف فيه للتعدية، وهذا دعاء بمعافاتهم من العقوبات التي عوقبت بها الأمم، والمراد بهذين الدعاءين طلب الدوام على عدم تحمل العقوبات والتكاليف [1] .
الإعراب:
ربنا: منادى مضاف.
لا: حرف نهي وجزم، معناها هنا الدعاء.
تؤاخذ: فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: أنت.
نا: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
وجملة: (لا تؤاخذنا) استئنافية.
(ربنا ولا تحمل علينا إصرًا) :
ربنا: منادى مضاف.
و: حرف عطف.
لا: حرف نهي وجزم.
تحمل: فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: أنت.
علينا: جار ومجرور متعلقان بالفعل (تحمل) .
(1) . ابن عاشور، التحرير والتنوير. الجزء الثالث. تفسير سورة البقرة.