الصفحة 39 من 223

للأطلسي، رغم تطويقها للعالم، ما لبثت أن أضعفت مواقعها الجيوسياسية مقارنة بالقوى الصاعدة من قلب القارة الأوروبية ومن أمريكا الشمالية. فالأكلاف المادية والاستراتيجية للحرب العثمانية في البلدان المنخفضة والأقاليم الألمانية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر أرهقت القوة الإيبيرية، في حين بدأ التفوق الهولندي يدوي في العقود الأخيرة من القرن السابع عشر أمام بريطانيا الصاعدة في أعالي البحار وفرنسا المتحدية في الجوار البري. ومع تبدد الدخان في منتصف القرن الثامن عشر، كانت بريطانيا العظمى وفرنسا تمثلان المتنافستين الوحيدتين الباقيتين في حلبة الصراع على الهيمنة الإمبريالية

ما لبثت المنافسة العابرة للمحيطات على المستعمرات أن امتدت خلال الفرن التاسع عشر وتحولت إلى صراع على سيادة أوروبا بالذات، قبل أن تنقلب في أوائل القرن العشرين إلى تحالف مشترك ضد قوة قارية أوروبية صاعدة كانت بالتزامن قد ولجت أيضأ باب حلبة المنافسة الاستعمارية العالمية - المانيا، ومن الحربين العالميتين التاليتين، خرجت أوروبا مدمرة، وممزقة، وبلا معنويات. وبالفعل فإن القوة الأوراسية المترامية: الاتحاد السوفييتي، وهي الظافرة بالإمساك بقلب أوروبا الجغرافي، بدت بعد عام 1945 مرشحة - مثل الإمبراطورية المغولية قبل نحو سبعة قرون - لأن تزحف غربة مكتسحة المزيد من المساحات

في الوقت نفسه كرست الولايات المتحدة، عبر الجزء الشمالي من المحيط الأطلسي، القرن التاسع عشر على تطوير قدراتها الصناعية والعسكرية في عزلة جغرافية رائعة عن منافسات أوروبا القارية والإمبريالية المدمرة، كان تدخلها في الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن العشرين حلسة للحيلولة دون

طغيان القوة الألمانية على أوروبا، وقد أقدمت على ذلك مع بقائها في مناي عن، ويلات التدمير والمذابح غير المسبوقة لتينك الصراعين. يضاف إلى ذلك أن موقع أمريكا الاقتصادي والجيوسياسي المثير للغيرة عند انتهاء الحرب العالمية الثانية البسها ثوبا جديدة - ثوية يزينه شعار التفوق العالمي، ونتيجة لذلك، ما فتئت الحرب الباردة الأمريكية - السوفييتية التالية أن أقضت إلى التعجيل بانبثاق غرب عابر للاطلسي تمت إعادة تحديده، معتمد على الولايات المتحدة الأمريكية وخاضع لها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت