وها نحن نضرب أمثلةً لهذه الصراعات والتوسعات قبل الإسلام وبعده:
1 -ما قبل ظهور الإسلام.
فالإمبراطوريتان الإغريقية والرومانية اللتان يتفاخر بهما الدكتور (هنتنجتون) ، قامتا بالتوسع العسكرى واحتلال أراضى شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فهل اعتبر (د. هنتنجتون) ذلك دليلًا على عدوانية الإغريق أو الرومان أو الأديان التى كانوا يعبدونها؟ وهل اتهم الدين المسيحى بالعدوانية لاحتفاظ الإمبراطورية البيزنطية بممتلكاتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد اعتناقها الدين المسيحى؟ بالطبع لا. (1)
وقد تنافست الشعوب الأوروبية وشعوب شمال أفريقيا على السيادة عبر خط تماس البحر المتوسط، عندما بدأ هذا الصراع أولًا بين الإغريق وقرطاجة في 480 ق. م، ودام حوالى قرن، ثم استُأنِف بين الرومان وقرطاجة في 264 ق. م، وامتد أكثر من قرن وتحديدًا 118 سنة، وانتهى هذا التنافس بانتصار الشعوب الأوروبية ممثلة في الإمبراطورية الرومانية، التى فرضت سيادتها عسكريًا على شعوب شمال أفريقيا، واستمر هذا الوضع حتى الفتح الإسلامى ... أما التنافس على السيادة العالمية والإقليمية عبر خط تماس آسيا الصغرى (تركيا) بين شعوب الشرق الأوسط والشعوب الأوروبية، فقد بدأ بقيام الإمبراطورية الفارسية في 550 ق. م، التى فرضت سيادتها على غالبية شعوب الشرق الأوسط وآسيا الصغرى، ثم حاولت مرتين غزو بلاد الإغريق (490_479 ق. م) . (2)
2 -ما بعد انحسار السيادة الإسلامية.
قد ارتكب (د. هنتنجتون) نفس الخطأ عندما أهمل الصراعات التى جاءت بعد ضعف السيادة الإسلامية، فإبان عصر الهيمنة الأوروبية قام الغريم التاريخى أى الشعوب الأوروبية -بعد انحسار ألفية الصعود الإسلامى (632_1683 م) - بالتوسع العسكرى واحتل أراضى شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فهل اتهم (د. هنتنحتون) الشعوب الأوروبية بالعدوانية أو اتهم الدين المسيحى الذى آمنوا به بالعدوانية؟ بالطبع لا. (3)
ويكفى أن نتذكر أن الإمبراطورية البريطانية وحدها توسعت عسكريًا بأكثر مما توسعت أى إمبراطورية في تاريخ الإنسانية، حيث أخضعت 4/ 1 سكان كوكب الأرض تحت سيادتها، بل كان يطلق عليها الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس، وهى تسميةلم تحظ بها أى إمبراطورية إسلامية أو غير إسلامية، فهل اعتبر (د. هنتنجتون) أن التوسع العسكرى البريطانى دليل على عدوانية الشعب البريطانى أو دينه المسيحى؟ بالطبع لا.
1 -إسقاط نظرية صراع الحضارات ص 397 ... 2 - المرجع السابق ص 66 3 - المرجع السابق ص 397