الصفحة 48 من 211

فالحضارة الإسلامية قد وصلت الإنسان بالله، وربطت الأرض بالسماء، وجعلت الدنيا للآخرة، ومزجت الروح بالمادة، وحرصت على السُّمُوِّ الأخلاقى حِرصها على الرُّقِىِّ المادى. ولذلك كانت -بحق- حضارة روحية مادية، مثالية واقعية، ربانية إنسانية، أخلاقية عمرانية، فردية جماعية، أى: كانت حضارة التوازن والوسطية، التى قامت عليها أمة وسط، كما وَصَفَهَا الله تعالى في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} . (1)

ومن هنا كان من مظاهر الحضارة الإسلامية أنها استطاعت أن تؤثر تأثيرًا كبيرًا في جميع الشعوب التى خضعت للدولة الإسلامية، بل إن الثقافة الإسلامية قد طغت على الثقافة الأصلية للشعوب التى انتشرت فوق ربوعها راية الإسلام. ومن أعجب العجائب أن يتم هذا التحول الفكرى العظيم بدون إكراه أو إجبار، ولهذا نجد كثيرًا من الباحثين يأخذهم العجب حين يجدون أن ما عجز عنه الأغارقة والفرس والرومان عندما خضع لهم الشرق، قد قدر عليه المسلمون، فتلك الحضارات التى أخضعت الشرق لها، لم تستطيع أن تؤثر في عقائد الشعوب ولا في لغاتها، ولا في ثقافتها، في حين أن المسلمين قد استطاعوا أن ينشروا حضارتهم وثقافتهم ودينهم ولغتهم في البلاد التى فتحوها، وأصبحت هذه الشعوب فيما بعد تنشر رسالة الإسلام، وتدعو بدعوة القرآن، وتتكلم بلغة العرب والإسلام.

وقد أشار العالم الفرنسى الشهير الدكتور (غوستاف لوبون) إلى هذه الظاهرة بقوله:"ومن ذلك أن مصر الذى كان يلوح أنها أصعب أقطار العالم إذعانًا للمؤثرات الأجنبية، نسيت في أقل من قرن واحد مرَّ على فتح عمرو بن العاص لها، ماضى حضارتها الذى دام نحو سبعة آلاف سنة، معتنقة دينًا جديدًا، ولغةً جديدة، وفنًَّا جديدًا، اعتناقًا متينًا دام بعد تواري الأمة التى حملتها عليه". (2)

وترجع هذه النتائج المذهلة التى حققتها الحضارة الإسلامية إلى عدة أمور، منها: مصدرها الإلهي، ومقوماتها الفكرية، ونزعتها الإنسانية، وشمولها الثقافى، وحيويتها النابضة، ومنهجها العلمى، مما جعلها تُمثِّل الأمل الذى كانت الشعوب تتطلع إليه، ولذلك ارتضت الشعوب المختلفة -ذات الحضارات المتباينة- أن تتخلى عن ثقافتها الأصلية وعقائدها السابقة، وتدخل في الإسلام فتكون عقيدته دينًا لها، وتكون تعاليمه لها شريعةً ومنهاجًا، وتكون لغة القرآن هى لغتها الأصلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت