وفى الآية نجد كيف يقارن الله بين الذى ينهمك في أعمال الدنيا من أطباء ومهندسين وصناع، وبين من يُسْلم -يخُضِع- نفسه للتفكر والتدبر في شريعة الله.
-وجاءت الكلمة في الإنجيل على هذا النحو: فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح . (2)
وما الإسلام في القرآن إلا ذلك الوصف لخضوع وانقياد النفس لله رب العالمين. ونجد ذلك في قول الله - سبحانه وتعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} . (3)
وفى الآية يخاطب الله معشر أهل الكتاب قائلًا: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ .. } أى: أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون، {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يعنى: وله خَشع من في السموات والأرض، فخضع له بالعبودية، وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والإلوهية. (4) ، {طَوْعًا وَكَرْهًا .. } ، أى ولله أسلم أي انقاد وخضع من في السموات من الملائكة والأرض من سائر المخلوقات الأرضية طائعين أو مكرهين.،"وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ"وفوق هذا أنّكم ترجعون إليه فيحاسبكم، ويجازيكم بأعمالكم. (5)
وهناك العديد من آيات القرآن التى تتحدث عن المعنى العام للإسلام .. ومن ذلك -على سبيل المثال- أن يعقوب - عليه السلام - عندما أحس بدنو أجله سأل أبناءه: من تعبدون من بعدى؟ فقالوا: -كما جاء في القرآن-: {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} . (6)
ويشير نوح - عليه السلام - إلى ذلك فيما يرويه القرآن الكريم الذى يصف نوحًا بأنه مسلم، أى مستسلم لله، فعندما كلفه ربه بأن يدعو الناس، قال لهم: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} . (7)
وهذا هو المعنى الذى فهمه الشاعر الألمانى (جوته Goethe) (8) وعبر عنه فى"الديوان الشرقى".. قائلًا:
"إذا كان الإسلام معناه أن لله التسليم، فإننا أجمعين، نحيا ونموت مسلمين". (9)
5 -أيسر التفاسير 6 - ]البقرة: 123 [. ... 7 - ] يونس: 72 [
8 - (جوته Goethe) ... هو الشاعر الألمانى جوهان وولفاغانغ فون غوتيه، ولد بفرانكفورت في 28 أغسطس 1749.