وهذا ابن عمه (على بن أبى طالب) يصفه فيقول:"أجود الناس كفًا، وأشرحهم صدرًا وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله". (1)
وهذا ابن عمه (جعفر بن أبى طالب) يقف بين يدى (النجاشى) فى بلاط المُلك بين بطارقته وحاشيته فيقول:"أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الارحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوىُّ منَّا الضعيفَ فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منَّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ... فصدقناه وآمنا به واتبعناه ...". (2) .
وهذا ابن عمه (عبد الله بن عباس) قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حتى ينسلخ فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن فإذا لقيه جبريل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة". (3)
فهؤلاء أقربائه وهذه شهاداتهم فيه ... أما شهادات أصحابه من غير قرابته فحدث عن البحر ولا حرج، فما أكثر ما وصفوه به، وشهدوا له به من مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، ونذكر منها:
ما قاله أنس بن مالك مولى رسول الله:"خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي أُفٍ قط وما قال لي لشيء صنعته: لم صنعته. ولا لشيء تركته: لم تركته". (4)
ولعلك قد يأخذك بعض الريب في هذه الشهادات فتحسب الباعث من ورائها عنصر القرابة من رسول الله أو الصحبة له، فدونك إذن، فها هى شهادات أعدائه فيه، والفضل ما شهدت به الأعداء، إن هؤلاء الذين نشأ بين أظهرهم، وقضى أربعين سنة من عمره وهم يعرفون عنه الصغيرة والكبيرة قبل أن يبعثه الله نبيًا.
فها هو (أبى سفيان) -وهو سيد قريش ومن أشد أعدائه يومئذ-، واقفًا في بلاط (هرقل) عظيم الروم يسأله عن رسول الله في محاورة طويلة وثقها الكثير من المؤرخين، فكان من جملة ما سأله عن أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، قال:"هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فأجاب أبو سفيان: لا. قال: فهل يغدر؟ قال: لا."