1 -حياة محمد ص 148 2 - ] العلق: 1 - 5 [
وفى الحقيقة إن بدء الوحى هذا، هو الأساس الذى يترتب عليه جميع حقائق الدين بعقائده وتشريعاته، وفهمه واليقين به هما المدخل الذى يسوقنا إلى اليقين بسائر ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من إخبارات غيبية وأوامر تشريعية، وذلك لأن حقيقة (الوحى) هى الفيصل الوحيد بين الإنسان الذى يفكر من عنده ويشرع بواسطة رأيه وعقله، والإنسان الذى يُبلِّغ عن ربه دون أن يغيّر أو ينقِص أو يزيد.
شبهة: إنكار الوحى
من أجل هذا فقد اهتم المشككون في الإسلام، بمعالجة موضوع الوحى في حياة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وصاروا يبذلون جهدًا فكريًا شاقًا، من أجل التلبيس في حقيقته والخلط بينه وبين الإلهام، وحديث النفس، بل وحتى الصرع أيضًا، وذلك لعلمهم بأن موضوع (الوحى) هو منبع يقين المسلمين وإيمانهم بما جاء به محمد من عند الله، فلئن
أتيح تشكيكهم بحقيقته، أمكن تكفيرهم بكل ما قد يتفرع عنه من عقائد وأحكام، وأمكنهم أن يمهدوا لفكرة أن كل ما دعا إليه محمد من المبادئ والأحكام التشريعية ليس إلا من تفكيره الذاتى. (1)
ونجد ذلك في تحليل فكرة الوحى لدى غير المسلمين: من الشرقيين والغربيين، حيث كان هناك تفسيران لفكرة (الوحى) ، فالتفسير الأول والذى تبناه كثير منهم. هو: أن محمدًا قد وصل إلى اتخاذ قرار ادعاء النبوة بعد مرحلة تفكير عميق واع، ومقارنة واضحة بين عقائد الوثنيين المشركين وبين العناصر التوحيدية التى استقاها من مصادر متعددة، وهذا الرأى قد تبناه (بروكلمان) .. فقال:"وأغلب الظن أن محمدًا قد انصرف إلى التفكير في المسائل الدينية في فترة مبكرة جدًا ... ومع الأيام أخذ الإيمان يعمر قلبه، ويملك عليه نفسه فيتجلى له فراغ الآلهة الأخرى ... كان محمد يأخذ بأسباب التحنث والتنسك، ويسترسل في تأملاته حول خلاصه الروحى ليالى بطولها ... لقد تحقق عنده أن عقيدة مواطنيه الوثنية فاسدة فارغة، فكان يضج في أعماق نفسه بهذا السؤال: إلى متى يمدهم الله في ضلالهم، ما دام عز وجل قد تجلى آخر الأمر للشعوب الأخرى بوساطة أنبيائه؟. وهكذا نضجت الفكرة في نفسه، أنه مدعو إلى أداء هذه الرسالة، رسالة النبوة". (2)
وسار على هذا النهج (ول ديورانت) ، وأضاف إلى العناصر التى أقنعت محمد باتخاذ قراره. ما لاحظه من قوة سياسية للدول الموحِدة. فقال:"وتدل كثير من آيات القرآن على إعجابه بأخلاق المسيحيين، وبما في دين اليهود من نزعة إلى التوحيد، وبما عاد على المسيحية واليهودية من قوة كبيرة؛ لأن لكلتيهما كتابًا مقدسًا تعتقد أنه موحى لها من عند الله ... ولهذا أحس بالحاجة إلى دين جديد ... دين يؤلف بين هذه الجماعات المتباغضة، ويخلق منها أمة قوية سليمة، دين يسمو بأخلاقهم ... ولكنه قائم على أوامر منزلة لا ينازع فيها إنسان". (3)