قريش لأبي بكر فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك قال بلى -وذلك قبل تحريم الرهان-، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه. قال: فسموا بينهم ست سنين. قال: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين لأن الله تعالى قال: في بضع سنين قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير". (1) "
ثم ينهى الله تلك الآيات المعجزات بقوله - سبحانه وتعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ... } . فكان في تلك الآيات الثلاث إعجاز في المكان والزمان. (2)
وبعد أن جئنا بعدة أوجه من الإعجاز القرآنى في الآفاق، حيث السماء والأرض والزمان والمكان، رأينا أن ننتقل إلى الشق الآخر من الآية: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (3) - وهو: {وَفِي أَنْفُسِهِمْ .. } .
-وذلك في قول الله - سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . (4) ، وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ .. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} . (5)
حيث إعجاز القرآن في إخباره بمراحل تطور الجنين في الرحم، ويتحدث الدكتور (موريس بوكاى) (6) عن هذا التطور فيقول:"يتفق تطور الجنين في الرحم كما يصفه القرآن الكريم تمام الاتفاق مع ما يقرره العلم الحديث في هذا الصدد، ولا يحتوى وصْفُ القرآن لمراحل تَطوُّرَ الجنين على أى مقولة يستطيع العلم الحديث أن يعارضها أو ينقدها أو ينقضها من حيث تحديد هذه المراحل أو تتابعها ... تنزل البويضة المخصبة لتعشش في تجويف الرحم، ويسمى القرآن الرحم الذى تعشش فيه البويضة بعد إخصابها بالمكان المكين في بعض الأحيان: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} ، ويُستخدم تعبير الرحم والأرحام في أحيان أخرى، وذلك كما في قول الله: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . ويتحقق استقرار البويضة بالرحم بواسطة امتدادات حقيقية تشبه عملية استقرار البذور في الأرض، وتنهل البويضة من جدار الرحم كل ما يلزم لنمو الجنين، ولم يتم"