وبنظرة باحثة -تأملية في التاريخ الإسلامي المشرق الطويل عبر القرون ـ خصوصًا تاريخ رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) وتاريخ الخلفاء الراشدين والأئمة الأعلام (عمر بن عبد العزيز، هارون الرشيد، نور الدين الزنكي، صلاح الدين الأيوبي .. ) تعطينا فكرة واضحة عن مكان السياسة الصحيحة في الإسلام. ومطالعة للقرآن الكريم وكتب التفسير والحديث توقفنا على الرصيد الفكري السياسي الضخم الذي تركه الإسلام للمسلمين وللعالم أجمع وفي الشريعة الإسلامية نصوص كثيرة، وكثيرة جدًا تدل على أن السياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام.
غير أن السياسة الإسلامية تباين السياسة العولمية اليوم، في أصولها وفروعها، فالسياسة الإسلامية-الشرعية هي غير السياسة المعاصرة التي تمارسها معظم الدول تمامًا .. ذلك لأن ا لإسلام يسير في سياسته في خط متواز مع حسن الإدارة والعدل، والحب الشامل، وحفظ كرامة الإنسان، وتقييم دم الإنسان .. فهو يحاول أن لا تراق قطرة دم دون حق، أو تهان كرامة شخص واحد جورًا، أو يظلم إنسان واحد .. بل وحتى حيوان واحد!
لقد كان إنشاء الدولة الإسلامية في المدينة، وامتداد نفوذها بالتدريج في معظم أجزاء شبه جزيرة العرب- في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثمرة مجهودات كبيرة حربية وتشريعية وسياسية، وكانت حصيلة النشاط السياسي والدبلوماسي مجموعة كبيرة من الرسائل والصكوك والمعاهدات التي تحدد العلاقات السياسية على أسانيدها من القرآن والسنة النبوية.
*كانت علاقة الدولة الإسلامية بغيرها هي تبادل علاقة المعرفة والمصالح بالعدل، أما علاقتها بكل قوة معادية هي علاقة دفع العدوان بكل ما تقتضيه الظروف (وان جنحوا للسلم فاجنح لها) الأنفال:61. وإذا لم تغن فالحرب واجبة بحكم الإسلام (فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم) البقرة (194) ولا يجوز لها أن ترضي بالسلم (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان إلا علي الظالمين) البقرة (193) وهي كما تري حرب في سبيل إقرار الحق ودفع الظلم لا في سبيل المطامع والاستعلاء ولذلك كانت جهادا في سبيل الله.
وكما شرع الإسلام للسلم شرع للحرب أخلاقها، وحسبك في ذلك أن تقرأ وصية الخليفة أبي بكر رضي الله عنه لأول جيش إسلامي خرج من الجزيرة العربية حين بيت الروم عدوانهم (لا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بعيرا إلا لمأكله وقد تأتون بأقوام فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له)