و في مجال الاقتصاد قد حاربت الفقر حربًا لا هوادة فيها، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين رأى يهوديا مسنا يسأل الناس ما معناه:"والله ما أنصفناه؛ أخذنا منه في شبيبته وننساه في شيبته، اضربوا له من بيت المال". أي: اجعلوا له خراجا يعيش منه. نفس الشيء ينطبق على جميع شؤون الحياة (الثقافة، التعليم، الصحة، العلاقات الدبلوماسية، .. )
والسياسة من باب الإيمان -كما يرى بعض العلماء المعاصرين - تعني الثقة بأن الله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وتعني أن موعود الله لا يتخلف، وأن الله مع المحسنين. كما أن المؤمن الذي يرى بنور الله يقرأ الأحداث بحكمة وتبصر - يرى الفتح غير ما يراه الناس، ويرى النصر غير ما يراه الناس؛ فقد سمى الله صلح الحديبية فتحًا، وسمى الحالة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهو مطارد في الغار ليس معه إلا صاحبه، وقد أحاط به الأعداء - سمى هذه الحالة نصرًا، قال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار .. ) [التوبة: 40] .المؤمن يرى الصحوة الإسلامية فتحًا، كذلك يرى كثرة المصلين في المساجد، ويرى إقبال الفتيات على الحجاب، والنجاح في الدعوة الفردية ..
أما السياسة ـ بمفهومها المعاصر العولمي الأمريكي- الصهيوني ـ فهي القدرة على إدارة دفة الحكم وتسيير الناس والأخذ بالزمام مهما كلفت هذه الأمور (السياسة الميكافيللية) من إهدار كرامات، وإراقة دماء، وكبت حريات، وابتزاز أموال، وظلم وإجحاف ونحو ذلك .. فما دام الحكم له والسلطة خاضعة لأمره ونهيه فهي الغاية المطلوبة، وإنها تبرر الواسطة، وإن كانت الواسطة إراقة دماء الألوف والملايين جورًا وظلمًا .. هذا منطق السياسة في أغلب بلاد العالم اليوم.
إذن ما يلصق بمصطلح من مفردات العنف والإرهاب فلم يعد يخفى على أحد المغالطات الدولية في هذا الشأن، والكيل بمكيالين، والكذب والتلاعب بالألفاظ على حد قول القائل:
قتل امرئ في غابة *** جريمة لا تُغتفر
وقتل شعب كامل *** مسألة فيها نظر
وماذا تسمى فظائع الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وسجن غوانتنامو و حرب الإبادة الروسية في الشيشان و الممارسات الإرهابية الإجرامية للصهاينة في غزة؟!
خلاصة القول، مهما طال لسان الأعداء والأدعياء وروج لمصطلحات اصطنعها في المختبرات الصهيونية فلن تغير من الفطر والثوابت الشرعية شيئا. يقول ابن القيم رحمه الله: (ولو أوجب تبديل الأسماء والصور تبدل