-التيار الثاني: فرضت باسم السياسة ما يناقض حكم الله ورسوله، من السياسات والقوانين الوضعية؛ لمَّا رأت أن النَّاس لا يستقيم أمرهم إلا بشيءٍ زائدٍ على ما فهمه أولئك المفرِّطون، من الشريعة؛"فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة، وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌّ طويل، وفسادٌ عريض ... وكلا الطائفتين أُتيت من قِبَل تقصيرها في معرفة ما بعثَ الله به رسولَه ..." [1]
وهذه الفئة هي في عصرنا أشرّ مأخذًا وأخطر أثرًا، إذ قادها في عصرنا أعداء الملّة من العلمانيين المتطرفين، ووسع دائرتها وأبرز شبهها بعض من انخدع بالأفكار الوافدة من تلاميذ المستشرقين، وهي في كثير من شبهها مستقاة من مياه الفكر الفلسفي الغربي الآسنة.
-التيار الثالث: فئة معاصرة من الحركات الإسلامية التي ضخمت من الجانب السياسي-بمفهومه الغربي الحداثي- وهولته بل حولته إلى أصل في مشرعها النضالي، مما حدا بها إلى التنازل عن أهم مبادئ الدينية شرط مشاركتها في العملية"الديمقراطية العلمانية": من إباحة الربا و مشروعية البيوت الراقية للزنا وتوفير حانات الخمر للسياح الأجانب ومن ثم للمسلمين .. !!
*الحركات الإسلامية .. بين الحزبية الضيقة والدعوة إلى الإسلام:
حساسية هذا المحور -على حد تعبير الدكتور العالم المغربي فريد الأنصاري حفظه الله- تأتيه من جهتين: داخلية وخارجية. فأما الداخلية: فهي عدم الاستعداد لتقبل النقد الذاتي لدى بعض الحركات الإسلامية ومنظريها إلا قليلا! فما بالك بالمقلدين والأتباع! وأما الخارجية: فهي أننا نعالج أمرا لا يطرقه في العادة إلا المخالفون للمشروع الإسلامي من اللادينيين؛ رغبة في تجريد الدين من السياسة. [2]
خاصة وأن تشخيص الداء خير من التعامي عنه!
أن الاختيار الإسلامي القاصر على الشأن السياسي ممارسة -وأقول القاصر بمعنى حصر العمل الإسلامي في الشأن السياسي - يسلب الإنسان التفكير الكلي، سواء في ذلك الاختيار السياسي الصدامي، أو الاختيار السياسي المشارك .. إذن فإن تدبير الكلي الديني من خلال الجزئي السياسي هو قلب للميزان. وتشويه للعمل الدعوي، بل تحريف له وتضليل! [3]
إن دعوة الإسلام هي عمل في صلب الدين، واندماج في قضاياه الإيمانية، وأحكامه الشرعية، واشتغال بنصوصه تربية ودعوة؛ سيرا نحو مفهوم تجديد الدين في الأمة، بما هو دين، أنزل أساسا ليعبد به الله في الأرض. بينما آل أمر"الحركة الإسلامية"إلى حركة سياسية ذات توجه إسلامي! فهي عمل باسم الدين، ورفع لشعاره،
(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم: /451 - 452؛ وينظر: تبصرة الحكام، لابن فرحون: 2/ 137.
(2) - فريد الأنصاري: البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي، منشورات ألوان مغربية، سلسلة اخترت لكم -19 - 2003 ص:3
(3) - فريد الأنصاري: نفس المرج، ص:9