ويرى أن تكون هناك علاقة بين الإسلام والسياسة أو الحكم، أو أن الدين يتدخل في إدارة الحياة، ورأى أن الدين مسألة روحية فقط، وهو علاقة بين الإنسان وربِّه ولا يتعدى هذا الإطار، وناصره الشيخ خالد محمد خالد ـ أحد خريجي الأزهر، بكتابه (من هنا نبدأ) ، وقد طبع الكتاب عام 1950 م، ثم تراجع بعد ربع قرن من الزمن مع اشتداد عود الصحوة الإسلامية، وأصدر كتابًا يُقرر فيه أن الإسلام دين ودولة. وعلى إثر ذلك انتفض العالم الإسلامي، وقام علماؤه يردُّون على الشيخ ويبينون زيف رأيه وضلاله، وقد بيَّن أهل العلم فيما كتبوه علاقة الإسلام بالحكم، وأنه يشمل بنظره أمري الدنيا والآخرة. وممن رد عليه الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، والشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر، والأستاذ أمين الرافعي. وقد أفتى بردته كلٌّ من الشيخ محمد شاكر، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية، والشيخ محمد رشيد رضا، وقد ألَّف العلماء كتبًا في الرد عليه، منهم الشيخ محمد الخضر حسين ـ الذي صار فيما بعد شيخًا للأزهر ـ، والشيخ محمد بخيت، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ولم تنقطع الكتب في الرد على هذا النوع من الطرح الهجين الغريب إلى يومنا هذا ..
* في الفقه السياسي المعاصر .. بين سوء التطبيق والفهم الضيق:
أدى سوء فهم تطبيق النصوص الشرعية وحصر السياسة الشرعية في مجال ضيق والخلط بين اختلاف العلماء والفقهاء في هذا الباب إلى ظهور تيارات متعددة في هذا الباب ولعل أشهرها:
-فالتيار الأول: طائفة سدٌّت على نفسها وعلى الناس، من طرق السياسية الشرعية ما تستقيم به أمورهم؛ ظنًَّا منهم منافاتها لقواعد الشرع؛"والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصيرٍ في معرفة حقيقة الشريعة، والتطبيق بين الواقع وبينها" [1]
ولا زال منهم أقوام في هذا العصر ممن ينتمون إلى أهل الإسلام، لكنهم لم يأخذوا الكتاب بقوّة، ولم يتعلموا الشرع بوعي، وعجزهم عن إنزاله على أرض الواقع (فقه الواقع) ، والتشكيك في لزوم حمل الكافّة على النظر الشرعي في جميع شؤونهم.
نعم! الإسلام شامل لكل معاني الحياة، تلك حقيقة راسخة من حقائقه الكلية، لا مراء ولا إشكال. ولكن أين من يضبط الميزان؟ وأين من يرتب أولويات الدين كما عرضها الدين؟ لا كما تشتهيها رغائب الصحافة والإعلام! ثم أين من يبني الفروع على الأصول ولا يقلب الميزان؟ .. وهذا كله بسبب التوظيف السيء للحركات الإسلامية لمفهوم"شموليه الإسلام"في كثير من مقولاتهم وخطاباتهم! [2]
(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم: 4/ 137.
(2) - الدكتور فريد الأنصاري: الفطرية: بعثة التجديد المقبلة من الحركة الإسلامية إلى دعوة الإسلام، منشورات رسالة القرآن رقم:3 - 2007 ص:104