ولمحاولة مقاربة المصطلح أكثر، نطرح تصورين مهمين يجسدان الوضع الحالي- كأنهما يعيشانيه اليوم- بتشنجاته السياسية والمصلحة الشخصانية على حساب المصلحة العامة للأمة:"لذا كان رأي العالم الأندلسي المسلم ابن عطية في القرن الثاني عشر بأن الفرد الذي لا يستشير أناسًا صالحين أخلاقيًا وذوي معرفة، هو عرضة لأن ينحّى عن وظيفته العامة. بعد سبعة قرون علّق المنظّر السياسي الفرنسي اليكسس دي توكفيل بأن الحرية"تعتبر الدين حاميًا للأخلاقيات، وأن الأخلاقيات هي أفضل أمن للقانون". ويتوقع المرء في هذا المعرض أنه لو تسنى لابن عطية ودي توكفيل أن يلتقيا في موقع مناسب في التاريخ لكان عندهما الكثير ليقولانه الواحد للآخر حول موضوع الثقافة السياسية الديمقراطية والأخلاقية".
وههنا أطرح أسئلة لعلها تفك لغز المصطلح: هل يعول على إنسان يشتري أصوات الناس أن يخدم المصلحة العامة للمسلمين؟ كيف يعقل أن إنسانا مخمورا ويشرب الخمر حتى الثمالة أن يفكر في هم الأمة ووطنه ولكن يستطع أن يستغل فقر الناس من ثم يفوز بالانتخابات؟ كيف لإنسان تربى بين أحضان الغرب البراغماتي أن يفكر بفكر الإنسان البسيط الذي لم يوفر حتى لقمة عيشه؟! كيف لمرشح للانتخابات الذي يفكر في تحقيق أصوات مهمة لحزبه أن يشغل باله في مشاغل العامة؟ كيف لإنسان يقود جماعة ويرشح نفسه كنائب عنهم لم يصل في حياته ولم يميز بين الحلال والحرام وبين الحرية الجنسية والزواج الشرعي وبين الربا والمضاربة الشرعية، أنى له أن يعدل ويستحضر عظمة الخالق ومراقبته في كل صغيرة وكبيرة؟ كيف نفسر إقبال بعضهم باسم الديمقراطية -وهو أكبر إمبراطور في المخدرات - أن يكن همه خدمة مصالح الناس؛ أليس هدفه كما علمتنا تجارب التاريخ اليومية هو الحصول على ما يسمى ب"الحصانة البرلمانية"ليفعل ما يحلو له دون رقيب ومراقبة؟! ألم تحول العراق البلد الذي كان يرهب إسرائيل بترسانته العسكرية القوية وتجاربه العلمية الرائدة ونخبه المتميزة من العلماء إلى دولة العصر الحجري القديم باسم نشر الديمقراطية!!! ..
خلاصة: في التعاطي مع المصطلح من منظور العمل الإسلامي: الفريق الأول: يرى أن مفهوم الديموقراطية يحمل مضمونين: أحدهما إجرائي عملي، والآخر نظري فلسفي .. أما الجانب الإجرائي التنظيمي، فهو من باب الخبرة البشرية التي لا يجد المسلم غضاضة في الاستفادة منها، كما يستفيد من سائر سبل تنظيم الحياة الأخرى كالجامعات والشركات .. إلخ، فالانتخابات والمجالس النيابية والمجالس البلدية .. إلخ، إنما هي رصيد تجربة اجتماعية لا بأس من استعمالها وتوظيفها. أما الفكر العقدي والفلسفة الأيديولوجية الكامنة خلف الديموقراطية، المتمثلة في إعطاء حق التشريع وإنشاء القوانين ووضع القيم الأخلاقية والاجتماعية لمثل هذه المجالس والدوائر، فهو مما لا ترضاه الشريعة ولا تقبله ولا تقره .. ومن هنا كان الالتباس والتعارض الظاهر بين مواقف الدعاة في مسألة الديموقراطية .. فبعضهم يدعو إليها ويبشر بها باعتبارها أفضل الضمانات للاستقرار السياسي