لكن الإسلام واجه البشرية منذ البداية بالإمكانية العقلية الكاملة للإبداع وكان حادث الإسراء المعراج بداية تأكيد هذا الأساس وبالتالي فلم يظهر في عصور القوة الإسلامية ذلك التعارض الوهمي بين ماهو وحي وما هو عقل ..
وقد حسم الإسلام الخصومة المصطنعة بين الدين والعقل-كما بين ذلك سابقا- وحرر الإنسان من أزمة الصدام بين الدين والعلم ولهذا فليس الإسلام في حاجة إلى العلمانية لأن الأسباب التي أدت إلى العلمانية في أوربا لا مكان لها في الإسلام والزعم الشائع في الفكر الإنساني بأن هناك صراعا مستمرا وتناقضا أبديا بين الدين والعقل أو بين الدين والعلم -كما سنرى إن شاء الله في الدعامة الثالثة- لا ينطبق بحال من الأحوال على الدين الإسلامي فكلاهما -الدين والعقل-يشكلان في الإسلام وحدة واحدة تتشابك أنسجتها تشابكا محكما [1] .
بصفة عامة: ليس في القرآن ولا السنة النبوية المظهرة الصحيحة ما يتناقض مع العقل الصحيح!
3 -العلم: ويعني ذلك عند اغلب الحداثيين التخلص من قيود الميتافيزيقا والغيبيات، والأخذ بالمنهج العلمي الذي لا يقر إلا ما تثبته التجارب العلمية، وقد سبق لي أن توقفت عند مقالات متعددة في هذا المجال التي تحاول اختزال تخلف البلدان العربية والإسلامية في الركون إلى الغيبيات (وكأن الإسلام يقف حجر عثرة وعقبة كأداء أمام مسايرة البلدان المتقدمة) ؛ يقول الدكتور الانتربولوجي -الحداثي احمد أبو زايد:"فالتفكير العلمي يتميز بالعقلانية والمنطق الواقعي الذي يرتفع عن مستوى الخرافات التي تؤلف جانبا لا يستهان به من التراث الثقافي (يقصد الإسلام تورية) لدى كل الشعوب بما في ذلك التراث الثقافي العربي، أي على التفكير العلمي يقوم على المواجهة المباشرة مع الواقع وفهم الأمور كما تتمثل للواقع الواعي المدرك لأبعاد الحقيقة العيانية والتي يمكن البرهنة عليها بالأدلة والحجج المقبولة عقلا، مع توخي عدم الخلط بين النظرة العقلانية الواعية للأشياء والأفكار والتخيلات التي تفتقر إلى الدليل، كأن ترد حالات الأعاصير والفيضانات المدمرة إلى غضب الله .." [2]
يمكن الرد على الدكتور في النقط:
-الأولى: أن الإسلام لم ولن يكون في يوم من الأيام بابا موصودا في وجه العلم، بل حث على ذلك في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة. يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:"من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء"
(1) عبد الحليم عويس: الإسلام حسم الخصومة المصطنعة بين الدين العق، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 406، جمادى الآخرة هـ -سبتمبر/أكتوبر 1999، ص:34 - 35، بتصرف يسير.
(2) - د. احمد ابوزايد: هل تقوم ثورة علمية في العالم العربي؟ مجلة العربي، العدد 568 مارس 2006 ص 32