أما مفهوم العقل عند المسلمين فيمثل قوة ربانية يسرها الله تعالى للإنسان ليستعملها ميزانا يميز به بين الخير والشر؛ فهو مناط التكليف. ويخطئ من قال أن الإسلام قلل من دور العقل ولكن له حدود ما أروع كلام محمد عبده:"إذا أردت أن تحكم على الغيب بعقلك القاصر فأنت تزن الحجر بميزان الذهب".ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ألف كتاب"موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول"؛وأكد فيه أنه لا يمكن تعارض صحيح النقل مع صريح العقل أبدا، وإذا حدث هذا فإما أن يكون النقل غير صحيح أو العقل غير صريح. ومثل هذا ما ذهب إيه الجاحظ حين أكد على استحالة التناقض بين كتاب الله وبين نعمة الله على خلقه، بالعقل الذي جعله دليلا لدى مخلوقاته لتبين حقيقة ألوهيته ووحدانيته، مما يجعل التعارض بينهما أمرا غير وارد بل مستحيل قطعا. [1] .ومن جميل ما قرأت ما قاله العلامة والأصولي الكبير الأندلسي الإمام الشاطبي رحمه الله، المتوفى سنة 790 هـ؛ إذ يقول في كتابه الاعتصام:"إن الله جعل للعقول في إدراكها حدا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون. [2] "
ولأهمية دور العقل؛ استعمل كلمة عقل تسعا وأربعين مرة في كتابه العزيز. ولم ترد في صيغة الاسم، بل في صيغة الفعل الماضي مرة واحدة عند قوله تعالى:"يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه"سورة البقرة، الآية 75. واستعملت الكلمة في صيغة المضارع ثمانا وأربعين مرة. ومجمل المعاني التي تدل على العقل في القرآن تدور حول عدم الإدراك وغياب الفهم الناتج عن غشاوة الجهل التي تمنع هذا النور الإلهي وهذه الملكة من القيام بواجبه وتجعل الإنسان يعي ربه ليأخذ العبرة ويسير في الصراط المستقيم.
وانطلق فقهاء الإسلام من الاستعمالات القرآنية ليحددوا العقل التشريعي أي العقل التكليفي عند المسلمين المراعين لله. وتساءل الحارث المحاسبي متى يسمى الرجل عاقلا عن الله تعالى؟ وكان جوابه:"إذا كان مؤمنا خائفا من الله عز وجل. والدليل على ذلك أن يكون قائما بأمر الله الذي اوجب عليه القيام به، مجانبا لما كرهه ونهاه عنه. فإذا كان كذلك استحق أن يسمى عاقلا عن الله، بل لأنه لا يسمى عاقلا عن الله من يعزم على القيام يشخصه فأقام على ذلك مصرا غير نائب" [3]
ورأى الغزالي أن"العقل منبع العلم ومطلعه وأساسه؛ لأنه يجري فيه مجرى الثمرة من الشجرة، والنور من الشمس، والرؤية من العين فكيف لا يشرف ما هو وسيلة السعادة في الدنيا والآخرة؟!"
(1) -رسائل الجاحظ ج 1 ص: 92
(2) - كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، ج 2 ص 519، دار الكتاب العربي.
(3) - الحارث بن أسد المحاسبي وأبو حامد محمد بن محمد الغزالي، شرق العقل وماهيته، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1986، ص 32.